الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلوات وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم إلى يوم الدين رضوان الله عليهم أجمعين.

لقد خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون وسخره للبشر لعمارة الأرض. وقد أرسل الرسل ليبينوا للناس الصراط المستقيم. وقد ضرب لهم في هؤلاء الرسل مثالاً للاقتداء بهم في حياتهم. قال تعالى في محكم كتابه العزيز: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” (الممتحنة، 6). وقال تعالى في نبيه صلى الله عليه وآله وسلم: ” لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا” (الأحزاب، 21). هناك بعض الناس، خصوصاً في هذه الأيام، يتهمون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بكونه شهوانياً لأنه تزوج تسع نساء في الوقت الذي لم يكن أي مسلم آخر يستطيع الزواج بأكثر من أربع نسوة. وفي خضم هذه الاتهامات يأتي السؤال: هل محمد، صلوات الله وسلامه عليه، مثال يقتدي به الناس؟

إن هذا الاتهام، أعني اتهامه صلوات ربي وسلامه عليه بكونه شهوانياً، هو اتهام معاصر، ففي الماضي تعرض النبي صلى الله عليه وآله وسلم لشتى الاتهامات من أعدائه، فقد اتهموه بكونه كذاباً أو ساحراً أو كاهناً أو مجنوناً، لكن لم يكن من بينها اتهامه بكونه شهوانياً. وهذا الأمر له سبب وجيه. كان محمد صلى الله عليه وآله وسلم معروفاً بأمانته وطهره منذ كان صبياً، وحتى أعداؤه كانوا يقرون بذلك. وقد اشتهرت أمانته حتى بعد هجرته إلى المدينة، حيث خلف بعده ابن عمه علي ابن أبي طالب رضي الله عنه في مكة ليؤدي الأمانات إلى أهلها، وكانوا في الأغلب كفاراً مشركين. ولم يتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بلغ الخامسة والعشرين من العمر. والمعروف إن الرجل الشهواني يتزوج بأكثر من امرأة قبل ذلك السن بكثير، أو على الأقل يكون مرتبطاً بعلاقة مع واحدة. عندما تزوج لأول مرة تزوج من خديجة الكبرى رضي الله عنها وكان تكبره بخمس عشرة سنة. وبقي معها لخمس وعشرين سنة ولم يتزوج غيرها حتى توفيت رضي الله عنها. وهذا يعني أنها كانت تبلغ من العمر خمساً وستين سنة وكان عمره صلى الله عليه وآله وسلم خمسين سنة. وبعد وفاة خديجة رضي الله عنها بقي لثلاث سنوات من دون زواج. وبعد مضي هذه السنوات الثلاث تزوج من سودة بنت زمعة، وكان بعمر خديجة رضي الله عنها. أين الشهوانية في ذلك، إذا أخذنا في نظر الاعتبار أن العرب كانوا معتادين على الزواج من الأبكار؟

في الحقيقة، نحن كمسلمين، نؤكد على كون النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو شخص مثالي يقتدى به في كل فعل أو خلق، حتى في زيجاته. في ذلك الوقت، كان العرب كما أسلفت سابقاً مولعين بالزواج من الأبكار. ولم تكن الثيب ذات حظ في الزواج مرة أخرى بسبب ذلك. وقد نزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من المطلقة والأرملة بأمر من الله ليكون مثلاً يقتدي به المؤمنون لحل هذه المشكلة الاجتماعية، فكانت كل زيجاته صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله تعالى، وهو لم يتزوج ببكر سوى عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها. وينبغي فهم كل زيجة من هذه الزيجات وفق سياقها وظروفها الخاصة. فقد تزوج أرملة إذ لم يكن هناك من يعتني بها. وتزوج لحقن الدماء بين القبائل، إذ كانت الحروب في ذلك الوقت تنشب لأتفه الأسباب وتستمر لسنوات طوال، ثلاين أو أربعين سنة كحرب الفجار وداحس والغبراء وكان المئات يلقون حتفهم في تلك الحروب.  ولكن إذا ما تزوج رجل من امرأة من قبيلة أخرى فلن تنشب أي حرب بين تلك القبيلتين، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم استغل هذه الميزة بين القبائل المتصاهرة لحقن الدماء.

تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من جويرية بنت الحارث، وهي من قبيلة بني المصطلق وثمة قصة مثيرة لهذه الزيجة. كانت هذه القبيلة في حالة حرب مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وخسرت المعركة وتم أسر الجميع. كان عرف هذه القبيلة أنها تسترق الأسرى، لذا فالقانون الإسلامي هو المعاملة بالمثل، لذا فقد تم استرقاق الجميع. كانت تلك كارثة حلت بالقبيلة، فقد تحول كل رجل وامرأة، صغيراً أو كبيراً إلى عبد مملوك وخسروا كل ممتلكاتهم. لم يكن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يرضى بالاستعباد، لكنه في الوقت نفسه لم يكن يريد كسر القانون. ولحل هذه المشكلة تزوج من جويرية بنت الحارث، ابنة سيد بني المصطلق. وحين رأى الصحابة التطور الذي حصل شعروا بالخجل، إذ كيف لهم أن يسترقوا قبيلة أمهم؟ حيث إن كل زوجة من زوجان النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي أم للمؤمنين. لذا فان الصحابة حرروا كل العبيد من بني المصطلق كهدية زواج للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأعادوا إليهم كل ممتلكاتهم. تقول عائشة رضي الله عنها وهي تروي قصة جويرية رضي الله عنها: ” وَقَعَتْ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُصْطَلِقِ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَوِ ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَكَاتَبَتْ عَلَى نَفْسِهَا وَكَانَتِ امْرَأَةً مَلاَّحَةً تَأْخُذُهَا الْعَيْنُ – قَالَتْ عَائِشَةُ رضى الله عنها – فَجَاءَتْ تَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي كِتَابَتِهَا فَلَمَّا قَامَتْ عَلَى الْبَابِ فَرَأَيْتُهَا كَرِهْتُ مَكَانَهَا وَعَرَفْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَيَرَى مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ أَمْرِي مَا لاَ يَخْفَى عَلَيْكَ وَإِنِّي وَقَعْتُ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَإِنِّي كَاتَبْتُ عَلَى نَفْسِي فَجِئْتُكَ أَسْأَلُكَ فِي كِتَابَتِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏”‏ فَهَلْ لَكِ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ‏”‏ ‏.‏ قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ‏”‏ أُؤَدِّي عَنْكِ كِتَابَتَكِ وَأَتَزَوَّجُكِ ‏”‏ ‏.‏ قَالَتْ قَدْ فَعَلْتُ قَالَتْ فَتَسَامَعَ – تَعْنِي النَّاسَ – أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ تَزَوَّجَ جُوَيْرِيَةَ فَأَرْسَلُوا مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ السَّبْىِ فَأَعْتَقُوهُمْ وَقَالُوا أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَمَا رَأَيْنَا امْرَأَةً كَانَتْ أَعْظَمَ بَرَكَةً عَلَى قَوْمِهَا مِنْهَا أُعْتِقَ فِي سَبَبِهَا مِائَةُ أَهْلِ بَيْتٍ مِنْ بَنِي الْمُصْطَلِقِ” (سنن أبي داود، 3931).

وتزوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أم حبيبة بنت أبي سفيان، أحد أكبر سادة قريش. وكانت مسلمة هاجرت مع زوجها وابنتيها إلى الحبشة في الهجرة الأولى. وقد تحول زوجها إلى النصرانية وتطلقت منه. تخيل امرأة مع بناتها في أرض غريبة عنها بعيدة عن منزلها. لم تغير دينها للبقاء مع زوجها ولم ترجع إلى مكة لتبقى مع أبيها، الذي كان مشركاً في ذلك الوقت وكان أحد ألد أعداء الإسلام. لقد ثبتت على إسلامها رغم كونه ديناً جديداً في ذلك الوقت. فما كان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن تزوج هذه المرأة الكريمة تكريماً لثباتها على مبدئها. فقد أرسل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى النجاشي ملك الحبشة ليوكله بكتابة عقد الزواج مع أم حبيبة وتم العقد وأرسلها النجاشي في قافلة من الهدايا إلى المدينة.

وقد تزوج من امرأة مطلقة ليؤسس لنمط معين من الزيجات الذي كان العرب يأنفون منه. وسأتكلم عن هذا الزواج بشيء من التفصيل. تبنى النبي صلى الله عليه وآله وسلم صبياً اسمه زيد بن حارثة، وحين بلغ هذا الصبي وأراد الزواج أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن يزوج زيداً من ابنة عمه زينب بنت جحش. ولم يكن هذا الزواج مثالياً فقد كان هناك بعض الخلافات بين زيد وزوجته نظراً لاختلاف الطبقة الاجتماعية بينهما، فقد كان زيد عبداً في السابق وزينب كانت من بيت شريف من بيوتات قريش. وقد جاء زيد عدة مرات إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو يشكو زوجته وأخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه يريد طلاقها. وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ينصحة بإمساكها، رغم إن جبريل عليه السلام أخبره بأن زينب ستكون زوجته صلى الله عليه وآله وسلم. يقول تعالى في كتاهب الحكيم بشأن هذا الأمر: ” وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا” (الأحزاب، 37).

كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  يشعر بالحرج من هذا الأمر، فقد كان زواج الرجل من زوجة ابنه بالتبني أمراً يأنف منه العرب، لكن الله جل وعز أوحى إليه هذه الآية: ” مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا” (الأحزاب، 38). لذا فقد استخدمت الشريعة الغراء نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم لتأسيس هذا المبدأ، لتبيين أن الابن المتبنى أو العبد ليس ابناً حقيقياً وليبين أن الإسلام قد أباح زواج الرجل بزوجة ابنه المتبنى.

وثمة شيء آخر، فالإسلام أباح للرجل الزواج من امرأة أو اثنيتن أو ثلاثة أو أربعة في الوقت نفسه. ويحرم على المسلم أن يتجاوز هذا العدد. لكن الله تعالى أباح للنبي صلى الله عليه وآله وسلم الزواج من تسعة، أليس هذا مخالفة للشريعة؟

من المعلوم أن الإسلام قد اعتبر زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهات للمؤمنين: “النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ” (الأحزاب، 6). والزواج من واحدة منهم أمر محرم، إذ يقول الله تعالى: “وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا” (الأحزاب، 53). والإسلام حرم على المسلم الزواج بأكثر من أربع نسوة: “وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا” (النساء، 3). أما فيما يخص “أو ما ملكت أيمانكم” في الآية السابقة فهي تتعامل مع الوضع الذي كان سائداً آنذاك فلا ينبغي أن تفهم هذه الآية كمسوغ لملك اليمين. فحين نزلت هذه الآية كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم متزوجاً من تسع نساء، وكان طلاق خمس منهن ظلماً لهن، إذ يحرم على أي أحد الزواج منهن، لذا فان الله تعالى سن قانوناً خاصاً للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: “لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا” (الأحزاب، 52).

حين جاء الإسلام كان المعتاد أن الرجل يتزوج من أكثر من أربع نسوة، حتى إن بعض العرب كان له عشر زوجات. جاء الإسلام وقلل العدد إلى أربع بشرط العدل بينهن في التعامل، وإلا فان الواحدة تكفي. بعد هذا كله نقول إن النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم هو خير مثال يحتذى، لا للمسلمين فحسب وإنما للبشرية كلها.

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.