الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأطهار وصحابته الأبرار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

ظهر هذا السؤال بعد ظهور الدولة المعاصرة إلى الوجود، حيث يكون لكل دولة حدودها وسيادتها. وللإجابة على هذا السؤال، نحتاج إلى إلقاء نظرة على نظام الحكم وتشكيل الدولة في القرن السابع. وبطبيعة الحال ستكون كتب التاريخ مصادر جيدة لمثل هذا البحث. لكنني سأتحدث بإيجاز عن كيفية تنظيم الحكم في ذلك الوقت.

بادئ ذي بدء، في ذلك الوقت، وخاصة في القرن السابع، لم يكن ثمة إلا عدد قليل من الدول والكثير من الممالك والإمبراطوريات. وفيما يتعلق بالمسلمين، كانت الإمبراطوريات البيزنطية والعثمانية والروسية والفارسية، وفيما بعد الحبشية والبريطانية، مهمة للغاية. في الوقت الذي نشأ فيه الإسلام، لم تكن هناك دائماً حدود واضحة مع هذه الإمبراطوريات، لأن حدود إمبراطوريتك ستكون آخر مكان تصل إليه جيوشك. كما لم يكن هناك قانون دولي توافق عليه كل دولة أو إمبراطورية أو تجبر على الالتزام به. ولم تكن هناك أمم متحدة أيضاً. كانت طبيعة الإمبراطوريات غالبًا “إما أن تغزو أو تُغزى”. لقد نزل الإسلام في مثل هذه الظروف، فدخل الإسلام والمسلمون في عصر الإمبراطوريات وكان عليهم الالتزام بقوانينها، بدلاً من البقاء في المدينة المنورة في انتظار قيام إحدى هذه الإمبراطوريات بغزوها والاستيلاء عليها. الإسلام دين واقعي، ولديه الحل للتعامل مع أي حالة، ومن هذه الحلول: طريقة التعامل مع قوى الإمبراطوريات المتحاربة. كان للصراعات المستمرة بين الإمبراطوريات في ذلك الوقت تأثيرات قوية على الفقه الإسلامي، الذي استقاه علماء المسلمين من النصوص المقدسة الأصلية، أي: القرآن والسنة. وعلينا أن نضع نصب أعيننا أن هذه الأحكام الفقه تنحصر بشكل عام في الأحوال والظروف التي صدرت فيها.

إن تغير الظروف يؤدي إلى تغيير في الأحكام الفقهية. وقد أجمع علماء المسلمين على هذه الحقيقة. وهناك أصل في الفقه يقول: (لا ينكر تغير الأحكام الاجتهادية بتغير الأزمان). وهذا المبدأ له تطبيقات عديدة، خاصة عندما نعترف بأن الزمان والمكان لهما تأثير على أحكام كثيرة في الإسلام. في الأساس لا يمكن تغيير كل حكم، فهناك أحكام أساسية لا يمكن تغييرها، كالعبادات والصلاة وإخراج الزكاة والصوم والحج إلى مكة وغيرها من الأعمال.

أما الأشياء التي تتغير بحسب الزمان والمكان فهي كثيرة. ومن الأمثلة على ذلك: جمع  المصحف في كتاب واحد بعد أن كان عبارة عن صحف متفرقة، وكتابة السنة النبوية بعد أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بعدم كتابة أي شيء آخر غير القرآن، وإغلاق أبواب المساجد لمنع السرقة ونحو ذلك.

دعونا الآن نحلل مثالاً واحداً من الأمثلة المذكورة وهو كتابة السنة. أمر النبي محمد صلى الله عليه وسلم الصحابة بعدم كتابة غير القرآن. عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تكتبوا عني، ومَن كتب عني غيرَ القرآن فَلْيَمْحُه، وحدِّثوا عنِّي ولا حَرَج، ومَن كذب عليَّ -قال همام: أحسِبه قال: مُتعمِّدًا- فَلْيَتَبوَّأ مَقْعَدَه مِن النار) (صحيح مسلم ، كتاب 55 ، الحديث 92). في هذا الحديث طلب النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة أن يمحوا ما كتبوا عنه غير القرآن. وقد أمر بذلك لأن القرآن كان لا يزال في طور النزول، وكان النبي يخشى أن تختلط بعض الآيات القرآنية التي نزل بها جبريل، وتختلط ببعض أحاديثه، والتي كانت كتابات كتبها الصحابة حول ما قاله وفعله النبي نفسه. في ذلك الوقت كان الورق نادراً، وكان الناس يكتبون على الجريد والجلود والعظام. لم يكن هناك كتاب منفرد يكتب فيه القرآن أوالأحاديث. فقد كتب كل وحي للنبي على قطع منفصلة لذلك كان الخلط بين هذين المصدرين ممكناً بسبب الظروف في ذلك الوقت.

وبينما أعطاهم تعليمات صارمة بشأن ما يجب تسجيله وما لا يدونوه كتابة، إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمح لهم ليرووا ما كان يقوله شفوياً من دون كتابة، لأنه كان المشرع وكان عليه توضيح القرآن للناس. وعندما توفي النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وانقطع نزول القرآن، رأى العلماء وجوب كتابة أحاديث النبي للحفاظ عليها من الضياع، ورأوا أنه بما أن القرآن قد اكتمل الآن فإن الخلط بين هذه الأحاديث المكتوبة وبين القرآن سيكون ممتنعاً.

لذلك نرى أنه على الرغم من الأمر الذي أصدره النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد تم إجراء تغيير في وقت لاحق عندما تم الحكم على أن كتابة الأحاديث النبوية صحيح إن لم يكن واجباً. إن تغيير الظروف التي سمحت لهم بمخالفة الأمر النبوي المباشر قد أنتج لنا السنة النبوية التي تساعد في إرشاد المسلمين في جميع أنحاء العالم. كان لهذا القرار أثره في خلق نظام كامل نسميه نحن المسلمين “علم الحديث”، وهو علم يتم التحقق مما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم وقاله عن طريق سلاسل الإسناد، ومقارنتها بدقة والحكم عليها بكونها صحيحة أو حسنة أو ضعيفة أو باطلة. هذه حالة واحدة فقط.

هناك علم آخر يسمى  علم أصول الفقه، وهو أيضاً لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن تغير الظروف والأوضاع أدى إلى اختراع هذا العلم. تماماً ككتابة الأحاديث النبوية على الرغم من أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بكتابة القرآن فقط.

لذلك نرى أنه مع تغير الأوقات والظروف، قد يستجيب المؤمنون بحكمة لهذه الظروف بطرق تدعم الإسلام وتنشره. لقد كان قرار تدوين الأحاديث قراراً جوهرياً، وانتفع المسلمون جميعاً من هذا القرار. وكذلك كتابة الفقه، أو أصول الفقه، هو أمر مفيد أيضاً، وبرزت فائدته بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى.

لنتحدث الآن عن الخلافة. كان هذا النظام السياسي الإسلامي نظاماً أعقب العصر النبوي، بدءاً بأبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، وانتهاءً بعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم جميعاً. عندما ظهرت هذه الخلافة الإسلامية كان لزاماً على كل مسلم، رجالاً ونساءً، الاستجابة للدعوة والهجرة من أي مكان خارج أراضي الخلافة إلى أرض الخلافة. وكل من لم ينضم إلى الخلافة كان يعتبر آثماً. كان الوضع الطبيعي لهذه الخلافة هو الحرب، نظراً لكونهم مجاورين لأكبر الإمبراطوريات في ذلك الوقت. وقد أشار علماء المسلمين إلى تلك الحرب بـاستخدام مصطلح “الجهاد”، وقسموه إلى نوعين: جهاد الدفع أو الجهاد الواجب وجوباً عينياً، وجهاد الطلب، وهو مهاجمة العدو قبل أن يهاجمك، وهي ممارسة وصفها العصر الحديث بأنها (ضربة استباقية). وقد أوضحت هذه المسألة بالتفصيل في مقال سابق. ومع ذلك، كان التفريق بين هذين النوعين من الجهاد أمراً عسيراً وغير واضح، حيث يمكن أن يكون الدفاع هجوماً، ويمكن اعتبار الهجوم دفاعًا بسبب طبيعة الظروف المحيطة وقواعد الاشتباك في ذلك الوقت.

أما في الوقت الحاضر فالوضع مختلف تماماً. إذ إن الوضع الطبيعي للدول اليوم هو السلام وليس الحرب المستمرة. وبالمثل، فإن دول اليوم لها حدود جغرافية ثابتة، وتوجد داخل هذه الحدود حقوق وواجبات تختلف عن الحقوق والواجبات خارجها. ولدينا الأمم المتحدة التي تضم غالبية دول العالم، 193 دولة، كأعضاء في ميثاقها. ولدينا القانون الدولي والمعاهدات الدولية.

ونتيجة لذلك، فإن الفقه في زمن الخلافة سيكون مختلفاً في هذا الوقت فيما يخص الدول والقانون الدولي. ففي الماضي كانت الإمبراطوريات والممالك تفرض دين الناس الذين يعيشون في كنفها. ولهذا لدينا القول المشهور: “الناس على دين ملوكهم”. وقد يصدف أن يعيش بعض الناس في إمبراطورية أو مملكة ويتبعون ديناً مختلفاً، لكنهم غالباً كانوا يعاملون كمواطنين من الدرجة الثانية أو الثالثة. أما العرب فكانت طبيعتهم دينية وقبلية في نفس الوقت. لذلك ، حينما تعلن قبيلة سيطرتها على منطقة معينة، يتم عادةً استدعاء جميع أفراد تلك القبيلة للانضمام إلى تلك المنطقة لتقويتها. والأمر نفسه ينطبق على الدولة النبوية. كان كل المسلمين ملزمين بالهجرة والانضمام إلى الدولة الإسلامية في زمن الدولة النبوية.

من المهم أيضاً ملاحظة أن الإسلام عندما ظهر لأول مرة، لم تكن هناك خلافة إسلامية بعد، وكان الوضع في مكة والمدينة والمناطق المحيطة بها صعباً على المسلمين الذين عاشوا بين المشركين وغير المسلمين الذين قد يضرون بهم. وقد يجهل الكثيرون أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت أمر هؤلاء المسلمين الأوائل بالهجرة إلى الحبشة، مع العلم أن الملك الحبشي كان مسيحيًا. وقال لهم: “إن بالحبشة ملكاً لا يظلم عنده أحد، فلو خرجتم إليه حتى يجعل الله لكم فرجًا” (سنن البيهقي ، ج 9 ، 16). واللافت في الأمر أن هذا يدل أيضا على وجوب الهجرة على المظلومين والخروج إلى أرض فيها عدل. وفي منظور الخلافة، ستكون الهجرة إلى أرض يحكمها الإسلام، لكن في تلك الحالة كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلب من المسلمين أن ينعموا بالعدل في ظل الحكم المسيحي وأن يتجنبوا الاضطهاد لبعض الوقت. واليوم، عندما يكون هناك أيضاً أنظمة قمع وديكتاتورية وحتى حرب في بلاد المسلمين نرى العديد من المسلمين يسعون إلى مغادرة ما يسمى ببلدانهم الإسلامية، التي تعرضوا فيها للقمع والاضطهاد، والهجرة إلى الدول الغربية غير الإسلامية، لوجود العدل والسلام في تلك الدول. وما أشبه اليوم بالبارحة، فبعد قرون، نرى هؤلاء المسلمين يتبعون أمر الرسول الذي أمر به المسلمين الأوائل، لأن الاضطهاد كان السبب الأساسي لهجرة المسلمين الأولى إلى الحبشة!

عندما ظهر تنظيم داعش ودعا إلى ما يدعوه هو “الخلافة” المزعومة كذبا في العراق وسوريا، اندهش الناس وكان انطباع المسلمين العاديين في العالم بأن خلافة إسلامية أخرى قد نشأت. وعندما دعا الخليفة المزعوم، أبو بكر البغدادي، المسلمين من جميع أنحاء العالم للمجيء مشيراً إلى وجوب الهجرة والانضمام إلى الخلافة، اعتقدوا أنه يجب عليهم ترك أماكن استقرارهم وسلامتهم في دولهم والانضمام إلى الخلافة. ولعل ما فاتهم هو أن الظروف قد تغيرت وعلماؤنا المسلمون يعلنون ذلك: إننا في زمن الدول، وليس الإمبراطوريات والخلافات. لدينا اليوم نوع آخر تماماً من الحكومات العالمية، وعلماؤنا يخبروننا كيف نتبع الإسلام اليوم في هذه الدول بشكل سلمي ونحترم القانون لا أن نشن الحروبب أو نفتعل الصراعات بيننا أو بين الآخرين.

لو كانت خلافة داعش قد نشأت منذ قرون وأطلق أبو بكر البغدادي ادعاءاته في ذلك الوقت، فربما كان محقاً في الادعاء بأن المسلمين يجب أن يأتوا للانضمام إلى خلافته وطاعة أمره، ولكن ليس اليوم حيث لا تتوفر أي شروط للخلافة الإسلامية. فبدلاً من ذلك، لدينا الآن نظام من الدول، والفقه المعاصر يجب على المسلمين اتباعه. فكما عمل العلماء على كتابة أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته، على الرغم من أمره بتدوين القرآن فقط، فإن الأمر نفسه ينطبق على الخلافة. ويدرك علماؤنا اليوم القانون الدولي المعاصر وحال الدول والسلام الذي يمكن أن يحدث من خلال احترام القوانين الدولية.

ومع ذلك، نجح تنظيم داعش، بشكل مأساوي، في تضليل أكثر من 40.000 مسلم من جميع أنحاء العالم وهاجروا إلى العراق وسوريا. لقد اكتشف معظمهم أن هذا كان أسوأ قرار اتخذوه في حياتهم، وفقد الكثيرون حياتهم وعانوا هم وعائلاتهم كثيراً في هذه العملية. والخطأ الجسيم الذي ارتكبوه هو أنهم صدقوا مزاعم مجندي داعش، الأمر الذي يتعارض مع تعاليم الإسلام البحتة. يعلم علماء الإسلام اليوم ويتفقون على أن الخلافة أو الدولة الإسلامية لا تنطبقان اليوم في شكلها القديم، وإن ادعاء إعادة تأسيسها وجعل الهجرة إليها واجباً اليوم مجرد ادعاءات كاذبة. فالأوضاع والظروف في عالم اليوم تختلف عما كانت عليه في القرن السابع عندما بعث النبي صلى الله عليه وسلم. هذه التغييرات لها تأثير كبير على الأحكام الفقهية، ولهذا لدينا دراساتنا الإسلامية لتوجيهنا وللمساعدة في تطوير الآراء الفقهية المعاصرة للمسلمين من أجل العيش بسلام في عالم اليوم ونشر دين الله في جميع أنحاء العالم.

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.