الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

لقد خلق الله الناس كلهم وخلق لهم الأرض ليعيشوا عليها. وقد خلقهم الله على الفطرة التي يمكن اختصارها بأن نقول إنها إحساس داخلي يهدي الفرد إلى وجود خالق لهذا الكون. ورغم ذلك فثمة الكثير من الناس قد ضلوا بسبب وسوسة الشيطان رغم وجود هذه الفطرة فيهم. يبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “أَلاَ إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلاَلٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَقَالَ إِنَّمَا بَعَثْتُكَ لأَبْتَلِيَكَ وَأَبْتَلِيَ بِكَ وَأَنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًا لاَ يَغْسِلُهُ الْمَاءُ تَقْرَؤُهُ نَائِمًا وَيَقْظَانَ وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا فَقُلْتُ رَبِّ إِذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً قَالَ اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ وَاغْزُهُمْ نُغْزِكَ وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقَ عَلَيْكَ وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ ‏.‏ قَالَ وَأَهْلُ الْجَنَّةِ ثَلاَثَةٌ ذُو سُلْطَانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ وَرَجُلٌ رَحِيمٌ رَقِيقُ الْقَلْبِ لِكُلِّ ذِي قُرْبَى وَمُسْلِمٍ وَعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيَالٍ – قَالَ – وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ الضَّعِيفُ الَّذِي لاَ زَبْرَ لَهُ الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لاَ يَتْبَعُونَ أَهْلاً وَلاَ مَالاً وَالْخَائِنُ الَّذِي لاَ يَخْفَى لَهُ طَمَعٌ وَإِنْ دَقَّ إِلاَّ خَانَهُ وَرَجُلٌ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إِلاَّ وَهُوَ يُخَادِعُكَ عَنْ أَهْلِكَ وَمَالِكَ” (صحيح مسلم، 2865). وفي هذا الحديث إن الذين اجتالتهم الشياطين عن دينهم قد أشركوا بالله خالق البشر وباريء الكون.

لقد أنزل الله الأديان التوحيدية الثلاثة، اليهودية والنصرانية والإسلام، وأمر الناس أن يعبدوا الله وحده ولا يشركوا به شيئاً، يقول الله تعالى: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” (سورة النحل، الآية 36). وكان القرآن آخر وحي منزل ختم فيه ربنا سبحانه وتعالى أوامره بتصديق بعض ما أنزل قبله في الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل ناسخاً ومزيلاً لأحكام أخرى ومحسناً لأحكام أخرى.

ولما كان الله قد خلق الناس جميعاً وخلق كل شيء آخر وسخره لهم، فما مصير أولئك الذين لا يعبدونه؟ ماذا عن أولئك الذين يعبدون آلهة أخرى غيره؟ هل يجوز قتلهم، كما تقول جماعات مثل داعش، تطبيقاً لما قال الله تعالى في القرآن: “فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ” (سورة التوبة، الآية 5)؟

للإجابة على هذا السؤال علينا أن نتأمل الآيات السابقة وأن نعلم إنها تتحدث عن المشركين لا عن أهل الكتاب، أي أهل الأديان التوحيدية حتى لو لم يكونوا قد دخلوا الإسلام. إن اداة التعريف “أل” التي في كلمة “المشركين” في العربية لها معانٍ أكثر من مجرد التعريف. وأحد هذه المعاني هي عموم الجنس كما نقول (خلق الله المخلوقات) فهذا يعني إن كل أفراد كلمة (المخلوقات) متضمنة في موضوع الخلق. وهناك معنى آخر لأداة التعريف وهو العهد الذكري، وهو المعنى المقصود هنا في الآية، كما نقول: (اشتريت كتاباً، ثم بعت الكتاب). فمعنى كلامي أنني بعت الكتاب المذكور سابقاً لا غيره. وهذان هما المعنيان الوحيدان اللذان يسببان سوء الفهم. وهناك بالتأكيد معاني أخرى لأداة التعرف، لكن ليس غرضي هنا البحث فيها.

لنرجع الآن إلى الآية التي أوردتها سابقاً، ولنتفحص أداة التعريف فيها لنقرر هل هي لتعريف الجنس أم للعهد؟ فاذا عدنا إلى الآية الأولى من السورة فقد تتكون لدينا صورة كبرى عن الموضوع، يقول الله تعالى: “بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿1﴾ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ ﴿2﴾ وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿3﴾ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴿4﴾ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴿5﴾” (سورة التوبة، الآيات 1-5).

باديء ذي بدء، نلاحظ إن هناك معاهدة سلام بين أولئك المشركين وبين النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهم قد خرقوا هذه المعاهدة وخانوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين. لذا فان الله تبارك وتعالى قد أعلن انتهاء هذه المعاهدة وأعطى المشركين أربعة أشهر للاستعداد للحرب أو لمغادرة المكان. وقد استثنى الله تعالى أولئك المشركين ممن لم يخرقوا المعاهدة. في الآية رقم (5) يشير الله تبارك وتعالى إلى أولئك المشركين الذين سبق ذكرهم في الآية الأولى ليعلن عليهم الحرب، إلا إنه لا يغلق الباب أمام توبتهم لأنهم خلق من خلقه، لذا فهو يأمر المسلمين بتخلية سبيلهم في الآية (5). فلو كانت أداة التعريف تعني عموم الجنس، فلن تكون هناك فائدة للآية رقم (4) “إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ” ولن تكون هناك فائدة في أن يوحي الله بآيات مماثلة مثل: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (سورة الممتحنة، الآية 8). وهناك آيات أخرى من شأنها أن تنظم العلاقات مع الآخرين سواء كانوا مسلمين أو نصارى أو يهود أو وثنيين. ورغم كل ما قيل عن الإسلام وما تدعيه جماعات مثل داعش، فان المبدأ الأساسي في الإسلام هو السلام، فإن أراد أحد السلام معنا فنحن ملزمون بالتصرف بشكل مماثل ونتفق على معاهدات سلام كما يقول الله تعالى: “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ” (سورة الأنفال، الآية 61). والحرب هي استثناء، ولكننا نخوضها في حال تعرضنا للاعتداء لا في حال بدأنا نحن بالتصرف بعدائية تجاه الآخرين من خلال الممارسات الإرهابية ومن ثم نلومهم على الرد. نحن كمسلمين ملزمون بالدفاع عن أنفسنا وأرضنا، وأن نشن الحرب على من يشنها علينا، فالله تعالى يقول: “وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ” (سورة البقرة، الآية 190).

وأخيراً، كي ننتهي من هذا المقال، ينبغي أن ندرس آيات القرآن بعمق ونحللها حسب علاقتها ببعضها في القرآن كله ونربط الآيات المتشابهة ببعضها لنفهم مراد الله منا في هذه الحياة لنفوز بالجنة في الآخرة. ولنتذكر إن مراد الله منا في هذه الحياة هو إقامة العدل والقسط من أجل العيش بسلام دائم مع الكل ونشيع علاقات المحبة والعدالة والاحترام مع كل خلق الله، سواء كانوا مؤمنين أم لا، والأهم من ذلك أن نكون مثالاً يحتذى في البر والأمانة لكي نفهم محبة الله لنا وكيف إننا نكدح إليه كدحاً وسنلاقيه في آخر الأمر.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.