الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد الأمين وعلى آله الطاهرين وصحابته الميامين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضوان الله عليهم أجمعين.

يعتقد بعض الناس إن مسألة الإقامة في بلاد غير المسلمين ظهرت في العالم المعاصر اليوم، وهم يعتقدون بأن علماء المسلمين المعاصرين هم فقط من يمكنهم الإجابة عن مثل هذه المسائل إذ إن لديهم الرؤية المعاصرة التي تتعلق بالدول والعلاقات الخارجية. ولعل هذا يكون صحيحاً في جزئه الأخير، أما في جزئه الأول فهم واهمون. فالعلماء المتقدمون تكلموا عن العيش في بلاد غير المسلمين قبل قرون عديدة ووضعوا شروطاً مخصوصة لذلك. ويدعي بعض المسلمين ان من غير الجائز للمسلم أن يقيم في بلاد غير المسلمين ويبررون ذلك الادعاء بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي قال فيه: ” أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ” (سنن أبي داود، 2645). ولعل انتزاع هذا المعنى من هذا الحديث يعد ادعاءً خاطئاً، إذ إن الكثير من العلماء فسروا هذا الحديث. قال ابن حجر العسقلاني، أحد علماء الشافعية المبرزين ومؤلف كتاب فتح الباري الذي يعد أفضل شرح لصحيح البخاري: ” هذا محمول على من لم يأمن على دينه ” (فتح الباري، 6-39). وقال ابن حجر الهيتمي، وهو عالم من أكابر علماء الشافعية: “إن أمكنه إظهار دينه لشرفه أو شرف قومه، وأمن فتنة في دينه، لم تجب [عليه الهجرة من بلاد غير المسلمين] لقدرته على إظهار دينه” (تحفة المحتاج، 9-268). بل إن بعض العلماء الآخرين ضعفوا هذا الحديث. لكن على فرض صحته فالحديث ورد في حادثة مخصوصة، وهذا أحد الوسائل الجيدة لفهم وتفسير نص الحديث، وهو إن نفراً من الناس دخلوا الإسلام وأقاموا في قومهم الذين كانوا في حالة حرب مع المسلمين، ووقعت المعارك وقتل بعض هؤلاء المسلمين. ونتيجة لهذا أعلن النبي صلى الله عليه وسلم براءته من دمهم وأن مقاتليه المسلمين لم يرتكبوا ذنباً للأسباب التالية:

  • لأنهم كانوا يقاتلون حرباً معلنة وكان الجانبان على علم بذلك.
  • إن المسلمين في ذلك البلد لم يخبروا المسلمين المقاتلين بوجودهم هناك.
  • كانت الهجرة من بلاد غير المسلمين إلى المدينة المنورة فرض عين في ذلك الوقت، أي قبل فتح مكة، لذا فالمسلمون كان في حسبانهم إنهم كانوا يقاتلون أناساً غير مسلمين. علماً إن الهجرة إلى المدينة بعد فتح مكة لم تعد أمراً واجباً.

لو فهمنا الحديث بهذا السياق فسنرى بوضوح إنه لا يحتوي أية أدلة تدعم الادعاء القائل بأن الإقامة في بلاد غير المسلمين حكمها الحرمة. وكما ذكرت في مقال سابق عن الردة، علينا أن نأخذ التقاليد والعرف السائد أثناء نزول النص بنظر الاعتبار.

فالقول بحرمة إقامة المسلم في بلاد غير المسلمين  هو قول متهافت في هذا العصر، فالكثير من المسلمين عرضة للاضطهاد والظلم في بلدانهم. فلو نظرنا إلى حال عوائل المسلمين في العراق وسوريا واليمن وفي بلدان أخرى فسنجدها ترزح تحت وطأة الحروب والصراعات الداخلية. ولما لم تفتح أية دولة إسلامية أبوابها لهذه العوائل فتحت الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا أبوابها لاستقبالهم، واحترمتهم وعاملتهم بطريقة أفضل من المعاملة التي كانوا يتلقونها من حكومات بلدانهم. وفي هذا الصدد يقول الله تبارك وتعالى: ” إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا” (النساء، 97). فنحن نرى بوضوح إن الآية توجب الهجرة من أرض الاضطهاد والظلم إلى أرض أخرى حيث تجد الكرامة والاحترام. فالعيش تحت نير الاضطهاد أمر محرم في الشريعة الإسلامية.

هناك بعض الجماعات المتطرفة مثل داعش والشباب تدعي بأن المسلم يجب عليه أن يهاجر من بلاد غير المسلمين إلى دولهم الإسلامية المزعومة. وهم يتذرعون بالحديث آنف الذكر باقتطاعه عن سياقه الخاص به ليستخدمونه كذريعة لجذب المسلمين من كل أنحاء العالم. وهدغهم من هذا واضح وهو استخدام هؤلاء المسلمين كوقود لحربهم وسعيهم للسلطة لا لنصرة الإسلام وقضيته. وقد أجمع العلماء على إن الهجرة بعد فتح مكة ليست واجبة، لقوله صلى الله عليه وسلم:  ” لَا هِجْرَةَ بَعْدَ اَلْفَتْحِ, وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ” (متفق عليه). وسأترك العبارة الأخيرة من هذا الحديث لنقاش قادم عن الجهاد ومبرراته في الوقت الذي أضحت فيه الهجرة غير مطلوبة في العصر الحاضر.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.