الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

يسأل الكثير من الناس عن الضوابط الإسلامية المطبقة على غير المسلمين، وخاصة اليهود والمسيحيين، إذا كانوا يعيشون في بلد إسلامي، مثل دفع الجزية (وهي ضريبة يدفعها كل رجل قادر على حمل السلاح، حتى لا يقاتلوا في معارك المسلمين، لكنهم بهذه الجزية سيكونون تحت حماية الجيوش الإسلامية) ولبس الملابس المختلفة. يزعم البعض أن غير المسلمين ليس لهم حقوق أو بالأحرى لهم حقوق ثانوية مقارنة بالمسلمين، وهذا مخالف للعدالة التي يزعم المسلمون أن دينهم يدعو إليها.

إن مناقشة هذه المسألة أمر مهم للغاية، إذ يساء فهمها أو يساء تفسيرها عند قراءة التراث الإسلامي. بادئ ذي بدء، ومن أجل فهم أي حدث تاريخي، نحتاج إلى أن نكون على دراية باختلافات الزمان والمكان. فالأشياء في الماضي كانت، في معظم الحالات، تُطبق وفقاً للأعراف والأنظمة والقوانين التي تم تشريعها في ذلك الوقت، وهي مختلفة عما لدينا الآن. فالأشياء تتغير، هذا قانون عالمي. والقواعد واللوائح ليست استثناءات من هذا التغيير. لذا دعونا نتفحص طبيعة الدول وحقوق الناس الذين يعيشون في تلك الدولة والأنظمة المطبقة عليهم آنذاك.

كانت الدول في الماضي إما دول قومية أو دول دينية أو عرقية. وكانت القواعد مرتبطة بطبيعة الدولة. والدولة القومية هي دولة ذات سيادة محدودة إقليمياً – أي دولة – تُحكم باسم مجتمع من المواطنين الذين يعرّفون أنفسهم على أنهم أمة. وتنبع شرعية حكم الدولة القومية على إقليم وعلى السكان الذين يقطنونه من حق مجموعة قومية أساسية داخل الدولة (والتي قد تشمل جميع مواطنيها أو بعضهم فقط) في تقرير المصير. يرى أعضاء المجموعة الوطنية الأساسية أن الدولة تنتمي إليهم ويعتبرون المنطقة التقريبية للدولة وطنهم. وعليه، فإنهم يطالبون المجموعات الأخرى، داخل الدولة وخارجها، بالاعتراف بسيطرتها على الدولة واحترامها. وكما قال عالم الاجتماع الأمريكي روجرز بروبيكر في كتاب “إعادة صياغة القومية: القومية والمسألة القومية في أوروبا الجديدة” (1996)، فإن الدول القومية هي “دول تتكون من أمم معينة وقائمة من أجلها”.

كانت الدول الإسلامية موجودة في مثل هذه البيئات، حيث كان هناك دول قومية من حولها، وهو أمر كان له تأثير كبير على شكل العلاقات الدولية. أما بالنسبة للسياسات الداخلية، فقد كان هناك العديد من القوانين التي تنظم العلاقات بين الأشخاص الذين يعيشون في الدولة، حتى لو كانوا ينتمون إلى مجموعات من ديانات أو جنسيات أو أعراق مختلفة. والإسلام بطبيعته يقضي على الآثار الاجتماعية والسياسية لهذه الاختلافات، حيث أعلن الله بوضوح: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (سورة الحجرات، آية 13). كانت الدولة الإسلامية في تلك الأوقات مثل المدينة الفاضلة عند مقارنتها بظلم واستبداد الدول الأخرى من حولها، ولهذا رأينا في التاريخ أن الجماعات غير المسلمة كانت ترحب بالحكم الإسلامي، لأنه كان أفضل حكماً من كل الدول الأخرى التي تجاوره. بالإضافة إلى ذلك، كان من الطبيعي بالنسبة للأشخاص الذين يعيشون في ظل دولة قومية أن يحولوا دينهم إلى ديانة الحاكم، وكان هذا هو الوضع الافتراضي في ذلك الوقت. لكن الدولة الإسلامية كانت شيئاً مختلفاً، فهي لم تجبر أحداً في ظل حكمها على التحول إلى الإسلام، بل على العكس، أعطت للجميع حرية الاعتقاد، كما يقول الله عزوجل في محكم كتابه العزيز: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (سورة البقرة، آية 256). كما حث الإسلام المسلمين على إظهار النوايا الحسنة، حيث قال الله تعالى: ” لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” (سورة الممتحنة، آية 8).

وهناك ادعاء كاذب آخر سمعته من مسيحي يدعى “زكريا بطرس”، وهو قبطي مصري، قال فيه إن المسيحيين الأقباط كانوا يعتنقون الإسلام لكي لا يدفعوا الجزية. وهذا بحد ذاته ادعاء شائن لأنه يهين المسيحيين الأقباط بشكل مباشر وليس المسلمين. فإذا عدنا إلى الوراء قبل عقود قليلة من الفتح الإسلامي لمصر، فسنقرأ عن “عصر الشهداء”. يقول التاريخ أن الروم الكاثوليك كانوا يعذبون المسيحيين الأرثوذكس لتغيير عقيدتهم، التي هي في طبيعتها مسيحية بعد كل شيء. ومن جانبهم يفخر المسيحيون الأرثوذكس في مصر بالقول: “لقد تحملنا وصمدنا ضد هذا الاضطهاد الطائفي، حيث تم إلقاؤنا إلى الأسود الجائعة، ورمينا في الزيت المغلي، وشوينا على كراسي النار، لكننا لم نتنازل عن إيماننا”. والسؤال الهام هنا: “هل يمكنك أن تتخيل أن هذا الجيل نفسه، الذي تعرض لمثل هذه الفظائع، قد يغير عقيدته ويتحول إلى دين آخر لا يتوافق معه في الواقع [وهو المعنى الدقيق للنفاق] لتجنب دفع بعض أموال الضرائب ؟!” هذا الادعاء ادعاء فارغ. وبالتالي فليس ثمة إلا خيارين لا ثالث لهما، الخيار الأول: لم يكن هناك “عهد الشهداء” وكل ذلك كان كذباً وخداعاً، الخيار الثاني: أن الادعاء بأنهم غيروا دينهم كان مجرد كذب وخداع، ولا يوجد خيار ثالث.

لم تكن الجزية من اختراع الإسلام، بل كانت موجودة قبل الإسلام. يخبرنا التاريخ أنه قبل فتح مصر، جمع الحاكم المسيحي 20 مليون ديناراً ذهبياً من السكان الأقباط في مصر. وعندما فتح عمرو بن العاص (رضي الله عنه) مصر جمع 12 مليون ديناراً ذهبية كجزية، لأنها كانت واجبة على الرجال الذين يستطيعون القتال. كانت تلك ضريبة أقل بنسبة 40٪. لكن قد يتساءل قائل: لماذا يوجد تمييز بين المسلمين وغير المسلمين؟ أليسوا يعيشون في نفس الأرض؟ لماذا تأخذ الجزية من غير المسلمين فقط؟ الجواب: أن هذه الجزية، أو الضريبة، تساوي البدل العسكري في الوقت الحاضر، حيث لم يكن غير المسلمين مضطرين للقتال في ظل الحكم الإسلامي. ثم على المسلمين أن يدفعوا الزكاة، وليس على غير المسلمين إخراجها، فهل هذا يجعل المسلم يقول إن هذا تمييز بين المسلم وغير المسلم؟

آخر شيء يمكن قوله هنا، هو إن مفهوم الدولة الآن مختلف عن مفهوم الدولة في تلك الأيام. فالآن، جميع المواطنين، مسلمين ومسيحيين على حد سواء، ملزمون بالقتال للدفاع عن البلاد، والجميع ملزمون بدفع ضرائبهم. هذه المسألة هي نقطة أساسية يجب مراعاتها عند محاولة فهم السياق التاريخي للجزية.

والحمد لله رب العالمين.

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.