الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد..

فالإسلام هو دين للبشر كلهم أجمعين، فهم بنو آدم، والله يقول في كتابه العزيز: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (سورة الحجرات، الآية 13). وقال النبي محمد صلى عليه وآله وسلم: “قد أذهب الله عنكم عُبيّةَ الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمنٌ تقي وفاجرٌ شقي، والناس بنوا آدم، وآدم من تراب” (حديث حسن، رواه الترمذي، الكتاب 49، الحديث 4337). فمن الواضح عدم وجود فروقات أمام الله بأن يكون الإنسان رجلاً أو أنثى أو من أي قبيلةٍ أو أمة، فالشيء الأهم هو التقوى.

وقدما قدمنا في مقالاتٍ سابقة، فإن الإسلام دينٌ عالمي يتعامل مع الرجال والنساء وفق مبدأ العدالة في تشريعاته. وقد أخذ الإسلام بعين الاعتبار اختلاف الأدوار والواجبات الملقاء على عاتق الرجل والمرأة.

فكلّ واحدٍ منهم يتمتع بقدرات طبيعية منّ الله بها عليه، لذا قد تختلف بعض الواجبات تبعاً لذلك، وهذه هي العدالة. وبالمثل، فقد عامل الإسلام العائلة بوصفها المكون الرئيسي للمجتمع، إذ أعطى الرجل والمرأة امتيازاتٍ معينة وواجبات محددة. وقد تزداد الواجبات أو تقل حسب الامتيازات. فواجب الأمومة والزوجية هما واجبان كبيران على عاتق المرأة بشكلٍ عام. فالنساء هنّ فقط بإمكانهن تحمل أعباء الحمل ورعاية الأطفال وفقاً للفكر التقليدي الإسلامي، فهي التي تضطلع بهذا العبء، أي رعاية الطفل، والرجل عليه واجب تلبية احتياجات العائلة. لذا فهي ليست مجبرةً على العمل خارج المنزل خلافاً للرجل. لذا فهي، وفقاً للفكر الإسلامي التقليدي، تعمل في المنزل وهو يعمل خارجه. وهذا بطبيعة الحال لا يعني عجزهما عن وضع تدبيراتٍ أخرى، أي عدم قدرتها على العمل خارج المنزل، إذ إننا نرى بوضوح أن السيدة خديجة رضوان الله تعالى عليها كانت تاجرةً ناجحةً وأُماً مفلحة، ويكفينا قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيها: “حسبك من نساء العالمين مريمُ ابنةُ عمران وخديجةُ بنتُ خويلد وفاطمةُ بنت محمد وآسيةُ امرأةُ فرعون” (سنن الترمذي، الكتاب 49، الحديث 278). ويمكننا أن نرى بوضوح أن خديجة هي إحدى فُضليات النساء، لذا فليس بإمكان أحدٍ أن ينتقد المرأة لعملها خارج المنزل، إلّا أن جوهر المسألة هو أن الزوج والزوجة ينبغي عليهما أن يدعم أحدهما الآخر لخلقِ عائلةٍ صحيةٍ وكاملة الرعاية.

ولسائلٍ أن يسأل أن الواجبات الثقيلة تستدعي وجود امتيازات بقدرها من الله، فهذه هي العدالة، أليس كذلك؟

وسيكون الجواب بلى، وهذه هي الحقيقة في الإسلام. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: “ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف” (سورة البقرة، الآية 229). ويحضرنا في هذا السياق سؤال أحد الصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ قال له: “يا رسول الله من أحقُّ بحُسنِ الصحبة، قال أمك، ثم أمك، ثم أمك، ثم أبوك، ثم أدناك أدناك” (صحيح مسلم، الكتاب 45، الحديث 2).

فنحن نرى كم كرم النبي صلى الله عليه وآله وسلم الأم، وهي المرأة، بمنحها حق الرعاية بثلاثة أضعاف حق الأب، وهو الرجل. وثمة حديث آخر ينص على إن “النساء شقائق الرجال” (سنن ابي داود، 236). فكل هذه الآيات والأحاديث تظهر عميق الاحترام للتضحيات التي تقدمها النساء حينما يمكثن في منازلهن ليرعين أطفالهن، أوحتى لو عملن خارج منازلهن، وتظهر المحبة والود الذي يقدمنه في حمل أطفالهن في أرحامهن لتسعة شهور وما يلاقينه من مصاعب الطلق والولادة ورعاية أطفالهن.

يدعي البعض إن الإسلام يفضل الرجال على النساء. وهذا ادعاء خاطيء. لكن دعونا الآن نتفحص بعض الأحاديث النبوية التي لنرى إن كان هذا الادعاء صائباً. أحد هذه الأحاديث هو قوله صلى الله عليه وآله وسلم: “إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَمَنْعَ وَهَاتِ، وَوَأْدَ الْبَنَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ الْمَالِ” (صحيح البخاري). كان بعض العرب الذين يفضلون البنين على البنات قبل الإسلام يدفنون بناتهم وهن أحياء. وبالمثل كان بعضهم عاقاً لأمه. وفي هذا الحديث يحرم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كل تلك الاشياء. وقد قال أيضاً: ” مَنْ كَانَتْ لَهُ أُنْثَى فَلَمْ يَئِدْهَا وَلَمْ يُهِنْهَا وَلَمْ يُؤْثِرْ وَلَدَهُ عَلَيْهَا – قَالَ يَعْنِي الذُّكُورَ – أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ” (سنن أبي داود، 5146). من الواضح هنا إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يأمر باحترام الينات حالهن كحال الأبناء. وثمة حديث آخر عن ابي سعيد الخدري أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ “لاَ يَكُونُ لأَحَدٍ ثَلاَثُ بَنَاتٍ، أَوْ ثَلاَثُ أَخَوَاتٍ، فَيُحْسِنُ إِلَيْهِنَّ، إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ” (الأدب المفرد، 79). لاحظ أنه لم يقل شيئاً بخصوص الأطفال الذكور. وفي الحديث أَنَّ جَاهِمَةَ رضي الله عنه، جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَدْتُ أَنْ أَغْزُوَ وَقَدْ جِئْتُ أَسْتَشِيرُكَ ‏.‏ فَقَالَ ‏”‏ هَلْ لَكَ مِنْ أُمٍّ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ نَعَمْ ‏.‏ قَالَ ‏”‏ فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْهَا” (سنن النسائي، 3104). ومرة أخرى نلاحظ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يسأل الصحابي عن أبيه.

والآن يمكننا أن نوجه السؤال المنطقي، لماذا لم يذكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجال في كل الأحاديث السابقة؟ فقد كان المفترض ان يذكروا مرة على الأقل في تلك الأحاديث. لذا فقد بات جلياً الآن أن الإسلام يكرم المرأة ويعطيها منزلة خاصة. لكن هناك شيء آخر قد يكون مربكاً للبعض، وهو لماذا قال الله إن للرجال درجة أعلى من النساء، في قوله تعالى: “وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ” (سورة البقرة، الآية 228). فما هي هذه الدرجة التي تميز بها الرجال على النساء ولماذا اختص الله تعالى بها الرجال دون النساء؟ أما الدرجة فهي إن الرجل يجب عليه أن ينفق على زوجته وأطفاله ويرعاهم وعليه واجب إلهي أن يذهب إلى العمل لتلبية احتياجات زوجته، وخصوصاً في حملها وعندما يكون لديها أطفال صغار بحاجة للحماية، إذ إن الله خلقه وأعطاه قدرة طبيعية للعمل الشاق والسفر واحتياجات العمل الأخرى. أما النساء فإنهن مهيئات من الناحية البيولوجية على الحمل في أرحامهن وعلى الولادة ورعاية الأطفال، أي: كل المهام التي تتطلب الحماية والدعم حين فعلها. وقد يجادل البعض إن هذا الجانب البيولوجي فيهن يهيئهن أيضاُ للقيام بالمهام الوجدانية والعاطفية كتربية الأطفال وتعليمهم السلوكيات الحسنة بالحب والتأثير، على الرغم من إننا ينبغي أن نعترف بأن الرجال مهيئين أيضاً لحب الأطفال وتربيتهم حال فطامهم من الرضاعة، لكن الرابط الذي ينشأ في الرحم وفي التربية بعد الولادة بين الأم ووليدها يفوق قدرة الرجال في أن يكونوا مثل الأمهات لأطفالهن.

فنحن نرى بوضوح أن الله خلق الجنسين وجعل لكل جنس حقوقه وواجباته، فالمرأة عليها أن تأخذ حقوقها وأن تقوم بواجباتها كإنسان، فهي قرينة الرجل في هذا الجانب، فالرجل أيضاً لديه حقوق وعليه واجيات. فالمرأة من الناحية البشرية ومن ناحية العمل في المجتمع مستقلة في عملها وفي كسب نتاجه. في الإسلام، من الناحية التقليدية، الرجل هو المسؤول عن اتخاذ القرارات للأسرة، لكن هذا لا يعني إن الرجل لا يتحدث إلى زوجته ويتناقشان في الأمور المهمة للأسرة، رغم إن القرار يتخذه الرجل عادة. يقول تعالى في كتابه العزيز: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ” (سورة النساء، الآية 34)، فهذه الآية تبين لو أن الأمر وصل إلى طريق مسدود بين الرجل وزوجته، وليس هناك سبيل في العثور على حل مرضي لهما، فرأي الزوج هو المعول عليه بشرط أن لا يكون فيه تجاوز على حقوق الزوجة الأساسية التي ضمنها الإسلام لها. إلا إن هذه الحالة هي حالة نادرة، لأن الله أعطى الرجل والمراة العقل وأوجب عليهما السعي في طلب العلم والمعرفة، فعلى كل منهما أن يكمل الآخر لمصلحة مجتمعهما وأسرتهما، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “طلب العلم فريضة على كل مسلم” (سنن ابن ماجه، 224) والمسلم يعني الرجل والمرأة.

وهناك آية أخرى مشابهة، وهي قوله تعالى: “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ” (سورة النساء، الآية 34). وهي تتحدث بشكل عام عن الرجال، والأزواج داخلون في الخطاب بكل تأكيد، ولكن الخطاب يتضمن الأب أيضاً، فهو المسؤول عن بناته، ويتضمن الأخ، وهو مسؤول عن أخواته. فمن واجب الرجل أن يضمن الأفضل للمراة التي يرعاها، سواء كانت زوجته أو أخته او أمه …الخ. وهذا هو الموقف الطبيعي للرجل، بل إن القرآن تحدث إلى آدم وحواء عن إغواء الشيطان لهما فقال: “فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى” (سورة طه، الآية 117). ومن الواضح إن الذي سيشقى هو آدم، لا حواء، إذ إنه القوام على حواء وهو مسؤول عن حمايتها لمصلحتها ولمصلحته.

وأخيراً وليس آخراً، هناك ادعاء بان النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أهان النساء حينما قال: “يا معشر النساء تصدقن، وأكثرن من الاستغفار، فإني رأيتكن أكثر أهل النار‏”‏ قالت امرأة منهن‏:‏ مالنا أكثر أهل النار‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏تكثرن اللعن، وتكفرن العشير مارأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن‏”‏ قالت‏:‏ ما نقصان العقل والدين‏؟‏ قال‏”‏ ‏”‏شهادة امرأتين بشهادة رجل، وتمكث الأيام لا تصلي‏” (رواه مسلم، 1879). ولنفهم معنى هذا الحديث علينا أن نفهم الموضوع التالي. الإسلام بشكل عام يضع أسساً ثابتة تكون مشتركة في كل زمان ومكان. ومعنى كونها ثابتة انها لا تتغير ولا تتبدل، فهي قابلة للتطبيق في كل زمان ومكان كالعدالة والسلام وعدم الاعتداء والملكية الشخصية والدفاع عن النفس والاحترام المتبادل والعقود الطوعية … الخ. وحينما نرى ما يبدو إنه يتناقض مع هذه الثوابت العامة فعلينا أن نعي إنه إما أن يكون سياقياً، أي مرتبط بحادثة معينة في زمن ومعين ومكان محدد، أو إنه يمكن أن يؤول بطريقة تزيل هذا التناقض الظاهر، او إنه أمر غير صحيح، بمعنى إنه مكذوب. وإذا عدنا إلى الحديث السابق، نرى إنه حديث صحيح، ولكنه خاص بسياق محدد، إذ إن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قاله في العيد وهو يوم سعادة وفرح، فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يمزح مع النساء ويبدي لهم دهشته من قدرة النساء على سلب ألباب الرجال، ولكنه حين يمازح الآخرين لا يقول إلا حقاُ، لهذا سألته بعض النسوة عن معنى قوله. فنقصان العقل أمر مرتبط بذاكرتها التي تتاثر بفترات حيضها وحملها، كما ثبت في الأبحاث العلمية الأخيرة، فضلاً عن إن شهادة المرأة في العقود التجارية كان آنذاك أمراً غير معتاد. وعلى الرغم من ذلك، فثمة الكثير من الأمثلة التي تكون شهادة المرأة فيها مماثلة لشهادة الرجل كما في اللعان، حينما تدافع المرأة عن نفسها حينما يتهمها زوجها بالزنى ولم يكن له شهداء إلا نفسه، وهناك حوادث حيث تقبل شهادة المرأة فقط وذلك حين تشهد المراة على ولادة الطفل كونها قابلة. أما فيما يتعلق بنقص الدين الذي مازح النبي صلى الله عليه وآله وسلم النساء فهو أمر مرتبط بفترات الحيض والنفاس عند المرأة، فهي لا يجب عليها الصلاة أو الصيام في هذه الاوقات، وهو أمر غير متعلق بالتقوى البتة. فالنبي كان يمازح النساء ويقول إنهن، حتى مع كل هذه “النقوص” فإنهن قادرات على سلب عقول الرجال!

ولنختم هذه المقالة بقولنا إن الإسلام أعطى ميزتين رئيسيتين للنساء، اولها إنها مثل الأرض، فهي التي تلد البشر ويقع على عاتقها ديمومة النوع البشري، لهذا يلزم الرجال بحمايتها ورعايتها والكل يجب عليهم إكرام أمهاتهم. وثانيها إن وجودها قائم على رقة قوامها ورهافة مشاعرها، الأمر الذي يؤثر على ظروفها ووظائفها الاجتماعية، وهذا ليس أمراً مهيناً في الإسلام بأي حال من الأحوال، بل إنه يعطيها مزيد كرم فضلاً عن إنه يلقي على عاتق الرجال واجباً أخلاقياً في حمايتها.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.