الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلوات وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم إلى يوم الدين رضوان الله عليهم أجمعين.

هذا السؤال حول كيفية تقييم ادعاءات علماء الإسلام الحقيقيين و غيرهم من الذين يدعون العلم هو سؤال مهم للغاية. فهو مرتبط بفئات المسلمين الثلاث التي ذكرها علماؤنا منذ زمن بعيد. وهذه الفئات هي:

  • العالم: وهو شخص يمكنه إصدار أحكام الفقه الإسلامي ولديه القدرة على استنباط أحكام جديدة وفقاً للأحداث الجديدة التي تحدث في وقته. ولا تشمل هذه الفئة سوى عدد قليل من الأفراد في المجتمع المسلم اليوم.
  • المتعلم: وهو من كان في طور الدراسة والتعلم. فهو يستشير العلماء ويقرأ الكتب العامة لاكتساب المعرفة. وهذا الشخص بطبيعة الحال ليست لديه القدرة على استنباط أحكام جديدة مثل الفئة الأولى. وتشمل هذه الفئة عدداً كبيراً من أفراد المجتمعات المسلمة في العالم اليوم.
  • غير المتعلم: وهو كل من لا يهتم بقراءة الكتب الدينية ويعتمد كلياً على مطالبة العلماء بمعرفة أحكام الشرع في كل ما يواجهه في حياته. ويمكن اعتبار هذه الفئة، بشكل أو بآخر، على أنها غالبية المجتمعات المسلمة في العالم.

إن الفئة الثالثة لا تعني بالضرورة أن هذا الشخص جاهل أو أمي، بل هي بالتحديد تشير إلى أي شخص لا يهتم بالدراسات الدينية، ولكنه قد يكون عالماً في مجال علمي معين، أو طبيباً أو مهندساً ولكنه غير مؤهل لتمييز الأحكام الدينية.

وفي طلب العلم قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ‏”‏الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله تعالى، وما والاه، وعالماً أو متعلماً‏”‏ ‏‏‏(‏رواه الترمذي وقال‏:‏ حديث حسن)‏. وقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «اغْدُ عالِمًا، أو مُتعلِّمًا، ولا تَغْدُ إمَّعةً فيما بيْنَ ذلك» (مشكل الآثار باسناد حسن).

الآن ، قد يكون من السهل التعرف على الفئتين الثانية والثالثة من الناس. والسؤال المهم: كيف يمكن للفئتين الثانية والثالثة أن تتعرف على من هو عالم، أي الفئة الأولى، لسؤاله عن أمورنا الدينية؟

ربما كانت هذه المسألة سهلة في الماضي، حيث لم يكن بمقدور الناس  السفر والتواصل عبر مسافات طويلة مثلما نستطيع اليوم مع الإنترنت، وكان الناس يعرفون ما يكفي عن بعضهم البعض لدرجة أن الصالحين كانوا معروفين بهذه الصفة، أما من كان من الجاهلين فسيجد صعوبة في ادعاء المعرفة. من ناحية أخرى، كان العلماء معروفين بشكل جيد بسبب سنوات دراستهم وسمعتهم الصالحة وإسهاماتهم العلمية. واليوم، نحن لا نعرف بعضنا البعض بشكل جيد ونتواصل عبر شبكات التواصل عبر العالم، يزعم العديد من الفئة الثالثة من الجهلة أنهم الفئة الأولى من العلماء!

هناك العديد من الأسباب لذلك، قد يكون السبب الأول هو وفرة المعلومات المتاحة اليوم وسهولة الوصول إليها والتي تتيح لشخص عادي غير متمرس أن يكون قادراً على الادعاء بأنه باحث. السبب الثاني يشمل التساؤلات الفكرية والأخلاقية الكثيرة والضغوط التي يواجهها المسلمون اليوم بسبب العولمة. وهذا يشمل بطبيعة الحال الاتهامات الكاذبة العديدة الموجهة للإسلام والتي يواجهها المسلمون بشكل يومي، مثل الانتقادات المسيئة للنصوص المقدسة في وسائل التواصل الاجتماعي والاتهامات بأن الإسلام دين عنف. وبالمثل، هناك التطبيع على نطاق واسع لكبائر الذنوب مثل الزنا والاختلاط واللواط في الحضارة الحديثة، مما يربك الفرد المسلم بشكل خاص مع الأخذ في الاعتبار التقدم العلمي في العالم المتحضر مقارنة بالعالم الإسلامي. فعندما يكون هناك الكثير من أنماط الحياة المختلفة التي يتم الترويج لها والأسئلة التي يجب الإجابة عليها، فقد يحاول العلماء من ذوي الاطلاع والتعلم الذاتي الإجابة عليها خاصةً إذا كانوا يرغبون في جذب الانتباه إليهم والحصول على القوة واكتساب الاحترام الذي يحصل عليه ذلك الفرد من الناس عندما يعترفون بكونه عالماً.

ولعل أي شخص هذه الأيام لديه القدرة على الوصول إلى الكتب الإسلامية كالقرآن والسنة التي تنشر في جميع أنحاء الإنترنت، فإن من ليس من العلماء لا يعرفون كيفية التعامل مع تلك النصوص بلحاظ الزمان والمكان اللذين نزلت فيهما ولايفهمونها في السياق العام للنصوص المشابهة. وبدلاً من ذلك، لا يستطيع هؤلاء المحتالون فعل أي شيء علمي سوى جلب نصوص من القرآن أو من السنة النبوية يدعم ظاهرها ادعاءاتهم التي لا أساس لها من الصحة. فالعلم الحقيقي لا يقتصر على تقديم الأدلة عارية عن سياقها، كما سنرى بوضوح لاحقاً.

قبل الخوض في سرد المعايير الإسلامية التي تبين رصانة عالم معين، أريد فقط أن أشير إلى قضية جوهرية عند محاولة تحديد العالم، وهي قضية موضوعية. العالم هو الشخص الذي يميل إلى النظر في الأدلة وتحليلها ومعرفة السياق الزمني والمكاني لكل دليل. وأخيراً وليس آخراً، القدرة على استنباط حكم يتوافق مع تعاليم الإسلام الشاملة.

إن المعايير الإسلامية التي يتم استخدامها للتعرف على العالم هي معايير موضوعية وليست ذاتية. ويمكن تطبيق هذه المعايير في كل مكان وزمان وهي كالآتي:

  • فهم عميق لأهم مقاصد الشريعة الإسلامية (المقاصد في الفقه الإسلامي).
  • الإلمام الكامل بكتاب الله تعالى وأحكام آياته مطلقها ومقيدها وعمومها وخصوصها ومجملها ومفسرها.
  • إتقان حقيقي لمختلف طرق الاستقراء والاستنتاج (يشار إليها باسم “الاستنباط” في الفقه الإسلامي).
  • إتقان كامل للغة العربية، مما يمكّنه من فهم القرآن والسنة بشكل صحيح وخاصة الآيات والأحاديث المشتملة على الأحكام.
  • إتقان حقيقي للمنطق، وخاصة قسم القياس إذ يتمكن الطالب من خلال هذا المبحث على وجه التحديد من استنباط أحكام جديدة من نفس النصوص المقدسة، وأعني بها نصوص القرآن والسنة.
  • معرفة السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي للأحكام التي استنبطها العلماء قبله. فهذه المعرفة تمنحه القدرة على الموازنة بين أحوال من حوله وتقاليدهم وعاداتهم عندما يسألونه عن أحكام مختلفة.
  • اتفاق العلماء المعاصرين له على علمه وسيطرته على المعايير المذكورة أعلاه. وقد تكون هذه هي الفئة الأكثر أهمية بين الفئات المذكورة آنفاً. لهذا يمكن اعتمادها من قبل أي هيئة قائمة من العلماء. وهذا الشرط الأخير مهم للغاية ويوضح أن العالم لم يتم تكوينه من خلال الجلوس خلف شاشة الكمبيوتر ليختار الآيات القرآنية التي يدعم ظاهرها الادعاءات التي لا أساس في الشريعة.

في الماضي كانت الطريقة الوحيدة لإتقان العلوم الإسلامية هي الجلوس بين يدي عالم مشهور بتدريس الطريقة التقليدية لمدة خمسة عشر عاماً. بعد ذلك يخضع الخريج لامتحانات صعبة للغاية على يد العلماء في منطقته للتأكد من إتقانه للعلوم التي درسها وكذلك ليثبت لشيوخه أن لديه القدرة لاستنباط أحكام جديدة. هذه الطريقة كانت تسمى “طريقة الإجازة العلمية”. فالإجازة هي شهادة من عالم مشهور تشهد بأن الشخص المذكور فيها قد أنهى مهمته في دراسة العلوم الإسلامية. وهناك سلسلة السند الوارد في تلك الإجازة، وهي تربط الطالب بمعلمه من خلال سلسلة طويلة من رجال السند بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم بالملاك جبرئيل حتى تصل أخيراً إلى الله تعالى. ويشترط على العالم، بالإضافة إلى الشروط المذكورة أعلاه، أن يكون قد كتب بعض المؤلفات من كتب ومقالات وأبحاث ومقاطع فيديو لإثبات قدرته وإمكانيته العلمية. وهذا الخيار غير موجود في الدراسة الأكاديمية اليوم في الجامعات الحديثة. بالتالي، ولكي تكون عالماً إسلامياً حقيقياً لا شخصاً متعلماً عبر الإنترنت، أو معتمداً من جامعة حديثة قد تتبع الإسلام أو لا تتبعه بالفعل، يجب أن يشهد العلماء التقليديون المعاصرون بأنك عالم معتمد.

يمكن العثور على مدعي العلم بكثرة على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم. إنهم في الغالب يجلبون نصوصاً مقدسة يتم اقتطاعها من سياقها لتبرير آرائهم الخاطئة. وخير مثال على ذلك من يسمون بعلماء القاعدة وداعش. هؤلاء المدعون لا يحللون النصوص لأنهم لا يملكون القدرة العلمية على القيام بذلك. وبدلاً من ذلك تراهم يقدمون دعاوى تؤدي إلى العنف والموت والاضطهاد والحرب، وربما الأهم من ذلك وضع أنفسهم ومجموعاتهم في السلطة حيث يثرون أنفسهم. وعندما يقدمون آراء علماء آخرين فإنهم لا يفهمون سياقاتها أيضاً. والعلماء الحقيقيون يدينون باستمرار تلك الآراء الخاطئة من خلال مقالات نقدية وأبحاث وكتب ومقاطع فيديوية.

بينما تشير القاعدة وداعش أحياناً إلى العلماء الحقيقيين بعلماء “القصور” لأن بعض من يعارضهم يتقاضون رواتبهم من قبل حكومات السعودية على سبيل المثال. ومع أن هذا النقد ضعيف لأنه بغض النظر عن المكان الذي يأتي منه المرتب، فإن العلماء الحقيقيين قد حصلوا على إجازاتهم العلمية من خلال العمل الجاد والدراسة، ونأمل أن يبينوا أكاذيب الجماعات الإرهابية التي تضلل عوام الناس وتلبس عليهم أمور دينهم.

هذه المقالة هي مجرد توضيح لكيفية التعرف على العالم، وكلي أمل أن تبين بعض الحقائق المهمة للناس.

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.