الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

سنتناول في هذه المقالة جانباً عقائدياً قد يشكل فهمه على الكثير من المسلمين نظراً لما تحمله النصوص القرآنية من غموض ظاهر فيما يتعلق بحرية الاختيار من جهة، والقدَر المتعلق بعلم الله الأزلي بما سيختاره الإنسان، والذي هو من أركان الإيمان، من جهة أخرى.

ومناقشة هذه المسألة غاية في الأهمية، رغم كونها قديمة. وهي نتاج سوء الفهم المتعلق بصفات الله جل وعز. فمعظم الصفات لها متعلقات أو معانٍ إضافية تختلف حسب متعلَّقاتها. لقد كتب علماء الكلام المسلمون كثيراً من الكتب المطولة والمختصرة لشرح صفات الله الأساسية والضرورية. وقد قسموا هذه الصفات إلى صفات نفسية وسلبية ومعاني. أما الصفات السلبية فهي معانٍ مختصة به. وهذا يعني استحالة أن يتصف أي مخلوق بصفة أو أكثر من هذه الصفات، كما يستحيل عدم اتصاف الذات الإلهية بها. ومن هذه الصفات:

  • الوجود: إذ من المحال عليه أن لا يوجد، فطالما إن المخلوقات موجودة بالفعل فلا بد من وجود خالقها قبلها. وبالمثل، فان وجوده لا ابتداء له في الماضي، الذي يعني وجوده قبل كل الخق، وهو موجود الآن، وسيستمر وجوده بعد زوال كل المخلوقات.
  • القِدم: فهو موجود على الدوام، حتى قبل الزمن، إذ إن الزمان هو خلق من خلق الله. يقول الله تعالى: “أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ” (سورة النمل، الآية 64).
  • البقاء: إذ من المحال عليه أن يلحقه العدم في أي نقطة من الزمن في المستقبل. يقول الله تعالى: “اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ” (سورة البقرة، الآية 255).
  • مخالفته للحوادث: إذ إن كل مخلوقاته معتمدة عليه. وهو يخالف كل مخلوقاته، إذ إن كل مخلوق لا بد أن يعاني من نقص ما. يقول الله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (سورة الشورى، الآية 11).
  • قيامه بذاته: فالله تعالى لا يعتمد على شيء من مخلوقاته، سواء كان مكاناً أو زماناً. فهو قائم بذاته، يقول الله تعالى: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ” (سورة فاطر، الآية 15).
  • الوحدانية: فهو الواحد الأحد لا شريك له ولا شبيه لا يتجزأ والا ينفصل، قال الله تعالى: “قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ” (سورة الإخلاص، الآيات 1-4).

أما بالنسبة لصفات المعاني فهي صفات كاملة حسنى وأزلية. يمكننا أن نجدها في القرآن إذ يصف الله نفسه بها. وهي كما يلي:

  • الحياة: فهي حي، كان ولا يزال وسيبقى حياً. فالموت محال عليه. يقول الله تعالى: “وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا” (سورة الفرقان، الآية 58).
  • القدرة: فالله كلي القدرة وهو قادر على فعل كل شيء ممكن، أي كل ما هو ليس واجباً كذاته العلية أو مستحيلاً كخلق إله آخر مثله.
  • العلم: فهو يعلم كل شيء، كل ما وجد وما هو موجود وما سيوجد في المستقبل وما لم يوجد لو وجد كيف كان يكون. يقول الله تعالى: “وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ” (سورة الأنعام، الآية 59).
  • الإرادة: فما يريده كائن وما لا يريده فليس بكائن. يقول الله تعالى: “إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ” (سورة الحج، الآية 14).
  • السمع: فهو يسمع كل الأصوات من دون الاعتماد على أعضاء للسمع كما في مخلوقاته.
  • البصر: فهو يرى كل المخلوقات من دون الاعتماد على أعضاء رؤية كما في مخلوقاته. يقول الله تعالى: “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” (سورة الشورى، الآية 11).

بعد هذا الاستعراض الموجز لصفات الله جل وعز، لندخل في بعض التفاصيل في علم الله المطلق وعلم الإنسان المحدود. فالله جل وعز في ديننا يعلم كل شيء حتى قبل أن يخلق الخلق. وهذا العلم كلي مطلق، فالإله الحقيق لا بد أن يكون لديه العلم المطلق. فالعلم صفة ذاتية لذات الإله جل وعز، وهي صفة تعني انكشاف الشيء المعلوم من دون سبق خفاء. وهذا الانكشاف هو التعلق الوحيد لهذه الصفة. لذلك فهذه الصفة ليس لها أي تأثير في أي شيء.

فالله الذي خلقنا في أحسن تقويم يعلم علماً مطلقاً ماهية البشر وما سيحدث لهم قد أنزل شيئاً من علمه في وحيه وفي كتبه المقدسة التي يخبرنا فيها عن ذاته العلية لنكون على بينة في عبادتنا إياه وفي علاقتنا مع الآخرين. وقد أعطى الجن والأنس حرية الاختيار دون الدواب والحيوانات الأخرى. فالجن والأنس لهم القدرة على الاختيار العقلي للصواب والخطأ، والخير والشر وبالتالي فهم مسؤولون عن اختياراتهم. وهذا هو سبب وجود الكثير من الشرور في العالم. فالله لم يخلقنا كأناس مبرمجين ولم يجبر أحداً هلى اتباع سبيله أو الإيمان به. فالكل أحرار في اختيار الخير أوالشر وفي اتباع سبيل الله أو رفضه، ومن يعرض عن سبيل الله قد يتمتعون قليلاً في هذه الدنيا، لكن في النهاية سيحقق الله العدل للجميع حيث سيجمع الله المؤمنين في جنته ويطرد الآخرين من لم يكن مع الله. وبالمثل، فان الله يعلم منذ الأزل ما سيفعله كل واحد قبل أن يفعله، بل حتى قبل أن يخلقنا. وهذا العلم لا تأثير له يذكر على خياراتنا، وهو مجرد علم مسبق يعلمه الله عنا ويعلم ما سنؤول إليه حتى قبل أن نختار الأشياء. فالله تعالى قد خلقنا وهو يعلم علماً أزلياً أن يعضنا سيعود بالخطايا والأحزان على هذا العالم ويعلم أن آخرين سيحاولون تعديل الاعوجاج ورفع الظلم وفي النهاية سيمحص الله الخبيث من الطيب. ومع أن الله يعلم أن بعض عباده سيزلون ويتنكبون عن الصراط لكنه اختار أن يخلقنا جميعاً أحراراً كي نختار بملىء إرادتنا أن نتبع صراطه المستقيم أو نرفضه. ولو كان لعلمه المسبق أي تأثير على اختياراتنا فهذا يطعن في كونه عادلاً وسوف يكون حكمه في الآخرة محض ظلم وعدوان، حاشا لله. يقول الله تعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (سورة الكهف، الآية 29) ويقول أيضاً: “إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا” (سورة النساء، الآية 40).

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.