الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (من بدّل دينه فاقتلوه) (البخاري ،1214). وهذا الحديث رواه ابن عباس وجمع من الصحابة. وهو موجود في العديد من كتب الحديث الأخرى عدا البخاري وهو حديث صحيح، أخذ به أكثر العلماء كدليل تأسيسي لحد الردة، ألا وهي القتل. وقد وضع هؤلاء العلماء الأجلاء تفاصيل تتعلق بشروط الردة وموانعها، ككون الشخص مسلمًا بالغًا يعلم تمامًا أنه يرتكب فعل الردة وأنه يرتكبه بمحض إرادته من دون إكراه أو تهديد. وهذا الشرط الأخير يعد من الأهمية بمكان، لأن أي فعل يقوم به المسلم تحت الإكراه أو التهديد يسقط أهليته ويزيل مسؤوليته. قال الله تعالى: “مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ” (سورة النحل، 106).

أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَلَمْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى سَبَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم وَذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، ثُمَّ تَرَكُوهُ. فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: شَرٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ مَا تُرِكْتُ حَتَّى نِلْتُ مِنْكَ وَذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، قَالَ: كَيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟  قَالَ: مُطْمَئِنًا بِالإِيمَانِ قَالَ: إِنْ عَادُوا فَعُد، رواه الحاكم في ” المستدرك ” ( 2 / 389 ). ومن الواضح أن لعن النبي يعد ردة، ولكن لما علم النبي أن عمار بن ياسر قد أكره على ذلك أمره بفعل ذلك مرة أخرى إذا حدث له ذلك مرة أخرى.

غالبًا ما تعمد الجماعات المتطرفة مثل داعش والشباب إلى وصم من يختلفون معهم بالمرتدين، رغم أنهم في الواقع مسلمون مؤمنون، ثم يستخدمون هذه الآية والحديث لتبرير قتلهم بعد وصفهم بالمرتدين. بل إنهم يلجأون إلى اتهام الناس بالردة والكفر ممن قد يكون لديهم فهم مختلف للنص نفسه، وهم يوجهون اتهامات الردة هذه دون الرجوع إلى آراء علمائنا الذين أوضحوا أن هناك شروطًا صارمة يجب أن تتحقق وموانع يجب أن تكون غائبة ليكون الشخص مرتداً. ثم يربط هؤلاء المتطرفون بين الردة والتبرير الكاذب لعقوبة القنل ويطلقون على أفعالهم “حكم الله العادل” المتمثل في إعدام حتى المؤمنين الذين قد يتلفظون بالشهادة أثناء إعدامهم.

https://www.youtube.com/watch?v=5Jytn2nk-Ro

وعلى العكس من ممارسات المتطرفين هذه، نحن مدعوون لاتباع المنهجية التي وضعها علماؤنا لتحليل نصوص القرآن والحديث، إذ ينبغي علينا قراءة النص من حيث سياقه وواقعه، وهذا يشمل البيئة المحيطة بالحادثة التي جاء النص للتعامل معها، والمناسبة التي قيل فيها النص، وحال المتحدث والمستمع، و عوامل أخرى مهمة تؤثر على عملية التحليل والفهم. ولعل أحد أهم تلك العوامل هو عادات وتقاليد الأشخاص الذين نزل فيهم نص القرآن أو الحديث. فعلينا، من أجل الحصول على فهم كامل للنص، أن نضعه في سياقه الأصلي، وخاصة العادات والتقاليد في ذلك الوقت، وإلا فقد نرتكب خطأ جسيمًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بعقوبة كبرى، هي عقوبة الإعدام. والسؤال الآن: ماهو سياق الردة في ذلك الوقت؟ ذكرت سابقا أن “معظم العلماء” أخذوا الحديث الذي رواه البخاري كأساس لحد الردة. وهذا هو الأساس الذي من خلاله تطبق جماعات مثل داعش والشباب عقوبة الإعدام، على الرغم من أنهم يفعلون ذلك دون مراعاة الشروط الأخرى التي وضعها العلماء. فعلى سبيل المثال، تقتل داعش وبشكل مستمر، النساء والرجال، وكثيراً ما كانت تقتل عائلات بأكملها من الشيعة، أو أشخاصاً آخرين من أهل الكتاب، الذين يقول الإسلام إنه يحميهم، متذرعين بكونهم مرتدين. إلا إن المذهب الحنفي قال: (لا تقتل المرأة المرتدة؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقتلوا امرأة”) وفي حديث صحيح آخر أن النبي عليه السلام نهى عن قتل النساء، ولأن القتل لدفع شر الحرابة لا بسبب الكفر، إذ جزاؤه أعظم من القتل عند الله تعالى، فيختص القتل لمن يتأتى منه المحاربة، وهو الرجل دون المرأة لعدم صلاحية بنيتها) (المبسوط 10/98) (فتح القدير 4/385) (تبيين الحقائق للزيلعي 3/384). علاوة على ذلك، يوجد في القرآن حوالي 11 آية تتناول الردة ولا يوجد في واحدة منها أي عقاب في هذه الحياة، بل على العكس، جميعها يبين إن العقوبة في الآخرة. لذا يمكننا أن نقول باطمئنان أنه لا يوجد في القرآن عقوبة للردة في هذه الحياة. لذلك علينا فك تشابك المعاني الإضافية التي لدينا مع الحديث، وتحديداً الروايات التي تتناول هذه العقوبة.

من منهجيات تحليل الحديث جمع الأحاديث المتشابهة لرسم صورة كاملة، فبعض الأحاديث خاص والبعض الآخر عام وبعضها مطلق وبعضها مقيد. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ [ يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله] إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ” (رواه البخاري ومسلم). ويبدو أن هذا يبرر عقوبة الإعدام على الردة. ولكن هناك حديثاً آخر مشابه لهذا الحديث، رواه أبو داود وفيه اختلاف في متنه، وفي هذا الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لاَ يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا” (سنن أبي داود، 4353). نلاحظ في الحديثين أعلاه أن كليهما يتحدثان عن نفس الحالات الثلاث التي يمكن فيها قتل المسلم ، كما هو مبين في الجدول أدناه:

حديث البخاري

حديث أبي داود

الثَّيِّبُ الزَّانِي

رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ

وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ

أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا فَيُقْتَلُ بِهَا

وَالتَّارِكُ لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ

وَرَجُلٌ خَرَجَ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ أَوْ يُصْلَبُ أَوْ يُنْفَى مِنَ الأَرْضِ

ووفقًا للمنهجية الإسلامية يجب أن تكون الأمثلة على جانبي الجدول متطابقة تماماً، وأحيانًا قد يشرح أحدهما الآخر. يمكننا أن نرى بوضوح أن من ترك دينه وفارق الجماعة ليس مطابقًا تمامًا لمن خرج لمحاربة الله ورسوله، ما لم ندرك أنه في ذلك الوقت كان هذا هو الموقف الافتراضي لمن يترك الإسلام، إذ كانوا يذهبون مباشرة إلى معسكر العدو، حيث كان هذا هو العرف الاعتيادي حينها. وبالتالي، يجب علينا تفسير هذا الحديث في سياقه فيما يتعلق بالبيئة والأعراف والتقاليد التي يمارسها المجتمع. العقوبة هنا هي القتل أو الصلب أو النفي من الأرض ولكن هذه العقوبة ليست لمجرد ترك الإسلام وإنما لكونك محارباً لله ورسوله، وهذه الخيارات الثلاثة المذكورة أعلاه موجودة في القرآن، لكنها لمن يفسد في الأرض، حيث قال الله تعالى: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ” (سورة المائدة، آية 33)، وعندما نقول إن سلوك المرتدين الافتراضي كان الانضمام إلى صفوف العدو، فهذا يعني إنهم إن لم ينضموا إليهم فلن يكون هناك سبب لقتل أحد أو صلبه أو نفيه، وثمة دليل جيد على ذلك. عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصَابَ الْأَعْرَابِيَّ وَعَكٌ بِالْمَدِينَةِ فَأَتَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى ثُمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي فَأَبَى فَخَرَجَ الْأَعْرَابِيُّ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خبثها وتنصع طيبها” (متفق عليه). من الواضح هنا إن الأعرابي ترك المدينة المنورة مرتداً، ومن الواضح أيضاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرسل أحداً ليقتله، وما هذا إلا لأنه لم ينضم إلى أعداء الإسلام والمسلمين.

وهكذا نرى أن الحرابة حدها القتل، أما ترك الدين، وخاصة للمرأة، أو نزوع المؤمن إلى معتقد يخالف معتقد مجموعات مثل داعش أو الشباب فهو أمر لا يمكن تبريره بعقوبة الإعدام، فهذه وحشية تمارسها هذه الجماعات للترهيب والإكراه والاستيلاء على السلطة. ويجب أن نصب أعيننا أنه لا إكراه في الدين، كما يقول الله تعالى: “ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (البقرة، آية 256)، فالمؤمنون مدعوون إلى الإسلام باختيارهم، ولا يقتل أحد لتركه الإسلام، يقول الله عزوجل: “وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ” (سورة يونس، آية 99)، فالله عزوجل سيعاقب العصاة والكفار في الآخرة بعدله.

هذا عرض موجز لهذا الموضوع المهم في الإسلام، وأدعو الله أن أكون وفقت بفضله تعالى لشرح وتوضيح سوء الفهم الذي سبب الكثير من الموت والآلا م، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.