الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

إن سؤال “لماذا ينضم الناس إلى الجماعات الإرهابية” هو سؤال مهم للغاية، لأننا نعلم جميعًا أن هذه الجماعات تتبنى أيديولوجيات خاطئة وتتلاعب بالنصوص المقدسة لخدمة أجنداتها. لكن لماذا لا يزالون يجتذبون الكثير من المسلمين وخاصة الغربيين؟

إذا قمنا بتحليل خطابات الحركات الإسلامية في جميع أنحاء العالم اليوم، وفي الماضي القريب، سنجد أن لهذه الخطابات عدة نقاط مشتركة. ولعل من النقاط المهمة أن هذه الحركات تبدأ بنقطة أساسية صغيرة، وهي “نحن بحاجة إلى تعلم ديننا”. وهم قد يأتون ببعض النصوص المقدسة من القرآن والسنة ، مثل: ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ، الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ” (سورة العلق، الآيات 1-5) ، والحديث الذي قال فيه النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: “طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ” (سنن ابن ماجه، 224) والحديث الآخر الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: ” من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما صنع، وإن العالم ليستغفر له من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهما وإنما ورثوا العلم‏.‏ فمن أخذه أخذ بحظ وافر‏” (رياض الصالحين، 1388). وقد اقتبسوا نصوصاً كثيرة لعلماء بارزين تتحدث عن فضل العلم وكيف أنه من أهم الأمور في الإسلام. لذلك، فإن المسلم البسيط سيكون لديه الدافع للبحث عن المعرفة. ثم تبدأ هذه الحركات بعقد حلقات التدريس في المساجد وعبر الإنترنت وتجذب العديد من الطلاب بمختلف الأعمار. وهذه الممارسة معروفة جيداً في البلاد الإسلامية، خاصة في أيام العطلة الصيفية، ومعظم هذه الحلقات تكون مستقلة، أي لا علاقة لها بأية حركات أيديولوجية، رغم كون بعضها كذلك. لكن هذه الحلقات المستقلة كانت بمثابة عتبة تؤدي للحلقات الأيديولوجية. والحالة النفسية للطالب في هذه الحلقات تجعله مثل الإسفنج يمتص الماء بشراهة، فهو سيأخذ ما يلقى إليه. الخطوة التالية بالنسبة لهؤلاء المجندين هو تضخيم الأزمة في العالم الإسلامي. فالحركات الإسلامية تركز على الكوارث والمشاكل المختلفة التي يعاني منها العالم الإسلامي اليوم. وهم يربطون كل هذه المشاكل بنقطة واحدة فقط، وهي البعد بين المسلمين والشريعة الإسلامية، وما كل ذلك إلا نتيجة الذنوب التي اقترفوها. قد يستدلون ببعض النصوص لتأكيد هذه النقطة، مثل: “وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ” (سورة الشورى، آية 30). فتعمد هذه الحركات إلى تربط كل الفساد في العالم أجمع بالخطايا التي اقترفها الناس وهم يقتبسون الآية القرآنية للاستدلال على ذلك، “ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ” (سورة الروم، آية 41). فهم يركزون على هذه النقطة، المسلمون بعيدون عن الله، والمجتمعات بعيدة عن الله، والحكام بعيدون عن الله، لخلق صورة قاتمة للواقع في أذهان الطلاب، هذه هي الخطوة الأولى.

أما الخطوة الثانية: فالقول بأن أفضل حل لجميع مصائبنا هو الحكم بشرع الله، وهم يستدلون بقول الله تعالى: “وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ” (سورة الأعراف، آية 96). وهناك حديث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم يستخدمونه لإثبات وجهة نظرهم تلك، وهو: “والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم”‏ (رياض الصالحين ، 193). ويقولون عندما كنا بعيدين عن ديننا برزت هذه المشاكل وظهر الفساد، وبالتالي نحن بحاجة إلى العودة إلى ديننا. وهنا سيكون السؤال الحاسم “كيف يمكننا أن نحكم بشرع الله في هذا العالم؟” والإجابة السهلة هي “علينا أولاً تنظيم عملنا وواجباتنا”. وسينضم هؤلاء الطلاب إلى الحركات الإسلامية لأنه ليس لديهم أي خيار آخر لممارسة شرع الله، حيث أن العقلية التي تم إنشاؤها من خلال هذه الدروس التعليمية لن تؤدي إلا إلى هذه النتيجة. قد تجلب الحركات بعض “حرية الاختيار” الزائفة وتقول للمجندين أنه “لا يجب عليك الانضمام إلينا إذا كنت لا تريد ممارسة شريعة الله! ولكن إذا كنت تريد ذلك فعليك أن تنضم إلينا. والمجندون يعرفون جيداً أن الطالب يحفظ الآية التي تقول: “وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ” (سورة المائدة ، آية 44). ثم تبدأ رحلة الأيديولوجية التنظيمية بسلسلة من الخطوات المتصاعدة. تبدأ هذه الرحلة بنقطة بسيطة هي خلق نوع من الارتباك في العقل المسلم، وتنتهي بنتيجة أن المسلم يعتقد أن جميع الدول والحكام والشعوب، باستثناء مجموعة المجندين، هم من الكافرين. لكن النقطة الجيدة نسبيًا هي أن هذه الحركات لا تدعو إلى حمل السلاح. فهم ينظّرون فقط ويدعون إلى الاستعداد، لأنهم يعتقدون أن الله يوماً ما سيصنع نوعاً من المعجزة وستكون هناك فرصة لممارسة الجهاد وتطبيق الشريعة الإسلامية.

وعندما جاء تنظيم داعش والجماعات المتطرفة الأخرى ودعوا إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، رأى هؤلاء الطلاب أفعالهم واستمعوا إلى مزاعمهم. وكما قلت سابقاً، كانت الحركات الإسلامية تدعو فقط للاستعدادات حتى يأتي قدر الله. أما داعش فكانوا يقولون لهم: لماذا تستعد وتنتظر؟ تعال وطبق ما تعرفه، فالدولة الإسلامية هنا، والخليفة هنا، والوضع مثالي لتطبيق شرع الله والقيام بدورك في تغيير واقع العالم إلى ما يرضي الله ورسوله. ونتيجة لكل هذه الاستعدادات وادعاءاتهم الحالية فإن داعش يستقطب الآلاف من المسلمين، ليس فقط المسلمين العقائديين، ولكن المسلمين العاديين والبسطاء، لأن هذا النوع من الكلام موجود بالفعل في الكتب والكتيبات والقنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي. وهكذا يصبح الشاب المسلم مثل الشاة التي تم إطعامها وإعدادها على يد الحركات الإسلامية، عمداً أو بغير قصد، وداعش يأخذهم إلى المذبح. إن داعش يسقط الأيديولوجية التي يتبناها المجند الجديد على الواقع لنقله إلى تنفيذ الأعمال الإرهابية. إن المجند الجديد أو المحتمل جاهز بالفعل: فهو يعتقد فعلاً أن كل القادة وكل الدول كفار. وداعش بدوره يأمره بحمل السلاح لقتل أولئك الكفار، بل إن عليه أن يبدأ بأقرب أقربائه إليه، يبدأ بأبيه وشقيقه وأقاربه، خاصة إذا كانوا من قوات الأمن أو من أعضاء النظام السياسي في ذلك البلد لأن الكفار القريبين هم أكثر خطورة من الكفار البعيدين.

هذا هو واقعنا بالمختصر، الحركات الإسلامية التحضيرية تقوم بتعليم الشباب لكنهم يتعثرون في نقطة الممارسة، كونها مستحيلة. ثم تأتي داعش وتقطف ثمار هذه الحركات لأنها، أي داعش، ساحة الممارسة والتطبيق لتحول أولئك الشباب إلى أشرار بالإكراه ويعملون بأقوى درجات الإيمان فينخرطون في أعمال العنف لأنها تسيء تفسير حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ” (صحيح مسلم).

والحمد لله رب العالمين.

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.