الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

أما بعد…

فالإسلام هو نظام حياة، وهو يمنح المسلمين هوية فريدة تميزهم عن غيرهم من مجتمعات غير المسلمين. والعلاقة التي تربط المسلمين ببعضهم ينبغي أن تكون مبنية على المبادي الإسلامية كالمحبة والحماية والعناية. والعلاقة بين المسلم وغير المسلم ينبغي أن تبنى على المباديء الإسلامية كذلك. أحد هذه المباديء هو التوحيد، محبة الله كونه الإله الأوحد المستحق للعبادة، وعدم اتباع العقائد الأخرى التي تجعل لله شركاء، وفي هذا يقول الله تبارك وتعالى: “لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ” (سورة المجادلة، الآية 22). فلو ان المرء لم يتبع عقيدة مخالفة لا توحد الله عزوجل، ولما كان حزب الغالب هم الغالبون، فهل يعني ذلك إن على المسلمين أن يرفضوا أفراد عوائلهم من الذين لا يدينون بدين الإسلام، أو أن عليهم أن ينقلبوا على كل غير المسلمين بشكل عام؟ هذا هو في الحقيقة موضوع الولاء والبراء الموجود في بعض كتب المسلمين، رغم عدم وجوده في النصوص المقدسة في الكتاب وصحيح السنة، والتي تعلمهم أن من الواجب على المسلمين أن لا يدينوا بالولاء لكل الكفار وأن يتبرؤوا منهم ويقاتولهم.

لكن الحقيقة إن هذا الموضوع قد أسيء فهمه للغاية، ففي القرآن يعلمنا الله تبارك وتعالى أن نتصرف بلطف وعدل مع غير المسلمين بشكل عام، ولكنه يحذرالمسلمين كذلك من أن يدينوا بالولاء لغير المسلمين من الأعداء. وهذا تفريق مهم للغاية  وضحه ربنا تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز إذ يقول: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ” (سورة الممتحنة، الآية 8-9).

والسؤال الذي يطرح نفسه حينما نقرأ الآيات السابقة هو إن الآيات تتحدث عن المسلمين وعلاقتهم بأعدائهم، أولئك الأعداء الذين أعلنوا الحرب على المسلمين ودينهم وأخرجوهم من منازلهم وممتلكاتهم. وهذا أمر متسق ومنطقي للغاية، فالمسلم يحرم عليه أن يكون علاقات ولاء مع مثل أولئك الناس. لذا، فان تبرؤ المسلم من غير المسلمين لا ينطبق بشكله العام على جميع غير المسلمين، وهو الشكل الذي تصر عليه تنظيمات داعش والقاعدة، بل ينطبق بشكل حصري على من أعلن الحرب على ديننا، كما يفهم من الآية آنفة الذكر.

نحن المسلمون ندعي أن القرآن خلو من التناقضات، إذ يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (سورة النساء، الآية 82). لذا فان المرء العاقل سيقول ملىء فيه آن ليس هناك آية واحدة أو حديث صحيح يناقض هذه الآية.

إن الذي حثني على كتابة هذه المقالة عن الولاء والبراء هو أنني وجدت التباساً كبيراً في العقل المسلم حيال هذا المفهوم. وهذا الالتباس هو نتيجة للظن بأن هذا المفهوم متعلق بالعقيدة والإيمان لا بالفقه والسياسة. وهذه مشكلة بحد ذاتها، على الأقل في نظري الشخصي، حينما يتعلق الأمر بالحياة العملية اليومية. إذ إن من شأن هذا المفهوم أن يخلق مستويات معينة من التناقض في شخصية المسلم، خصوصاً إذا كان يعيش ضمن أقلية في بلد غير مسلم، إذ إن عليه أن يتعامل بشكل مستمر مع غير المسلمين وعليه أن يكون لطيفاً معهم وأن يظهر لهم الحب والاحترام، وفي الوقت نفسه عليه أن يعلم أنهم كفار، وعليه، لكونه مسلماً حسن الإسلام إن كان يدين بعقيدة الولاء والبراء، أن يؤمن بضرورة إظهار مشاعر العداوة والبغضاء لجيرانه وزملائه في العمل حتى يحين الوقت الملائم لقتالهم، ما لم يؤمنوا بالله ورسوله. إن هذا الوضع يخلق تنافراً معرفياً محضاً، الأمر الذي يقود بدوره إلى النفاق، وهي حالة أكثر شراً من الهرطقة.

دعونا الآن نتفحص شكل هذا المفهوم في حياة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. نقرأ في سيرته العطرة إنه حين ذهب إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام ويأخذ منهم العهد على حمايته ودعمه واجهوه بالرفض، بل إنهم هاجموه عليه الصلاة والسلام ورموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين. حينها دعا نبينا الأكرم بدعائه المشهور في كتب السنن: “اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، وأنت ربي إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني أو إلى عدوٍ ملكته أمري، إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل عليّ سخطك لك العقبى حتى ترضى لا حول ولا قوة إلا بك”.

لقد كان رسولنا الأكرم يتضرع إلى الله ويشكو ضعفه وهوانه على الناس، ولكنه لم يظهر غضبه من الذين آذوه، بل كان يظهر صدق اللجوء إلى الله ويسأله أن يمن عليه بأن يهديه إلى سبيل التعامل مع أولئك المشركين. لقد كان يدعو ربه بأن لا يؤاخذه بسبب عدم إيمان من يدعوهم وأن يسدده ويسنده خلال مهمته العظيمة في الدعوة إلى الإسلام. ألم يكن صلى الله عليه وسلم يعلم إن البحث عن دعم المشركين وولائهم يتعارض مع “عقيدة الولاء والبراء” وأن عليه أن يتبرأ منهم ويقاتلهم؟ لكن يبدو إنه كان يسأل الله أن يعينه على الوصول إليهم وكسب دعمهم ببركة الله سبحانه وتعالى. فهل كان رسول الله صلى الله عليه وآله مخطئاً أم أن فهمنا لهذا الموضوع خاطيء؟

وحينما أُخرج رسولنا عليه الصلاة والسلام من الطائف لم يكن لديه مكان يلجأ إليه، فقفل راجعاً إلى مكة، لكن سكان مكة من عباد الأصنام والمشركين كانوا ضده أيضاً، خصوصاً قبيلته قريش، وكان يخشى أن يؤذوه كما فعل أهل الطائف. لقد حاول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يتصل بثلاثة نفر من سكان مكة كانوا يتمتعون بمكانة رفيعة بين قومهم لعله يحصل على دعمهم، لكنهم اعتذروا لأنهم لم يرغبوا بوجود مشاكل بينهم وبين أكبر قبيلة وأقواها في مكة. ولم يتوانَ النبي في بحثه عمن يساعده حتى تقدم رجل رابع واسمه المطعم بن عدي، وكان رجلاً من مشركي مكة المشهورين العظماء، الذي وعد محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بحمايته. فدخل نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة تحت حماية المطعم بن عدي وثلاثة من أولاده، وكانوا مشركين أيضاً كوالدهم، وكانوا مدججين بالسلاح حتى أوصلوه إلى منزله في مكة. ألم يكن محمد صلى الله عليه وآله وسلم على علم بأن ما فعله مخالف “لعقيدة الولاء والبراء؟” أم إن فهمنا لهذا الأمر خاطيء؟

من المهم قراءة السياق الذي ترد فيه الآية القرآنية من أجل الفهم الكامل لكل موضوع. ولعل إحدى هذه الآيات هي الآية التي تتحدث عن الولاء والبراء. فكل الآيات التي تتحدث عن هذا المفهوم أتت في القرآن في سياق الحرب، لا السلام.

فالإسلام، وكما قدمت في بادية مقالتي هذه، هو طريقة حياة، والحياة فيها حالتان رئيسيتان، الحرب والسلام. فالآيات التي تتحدث عن الولاء والبراء ينبغي أن تطبق في أوقات الحرب فقط، كما هو الحال مع الآية الأولى في بداية هذه المقالة، أي، الآية 22 من سورة المجادلة. اما الآيات التي تتحدث عن اللطف والعدل، لا التنصل والتبرؤ، مع غير المسلمين فينبغي أن تطبق في أوقات السلم، كما هو الحال مع الآيات 8-9 في سورة الممتحنة. أما إذا طبقنا هذه الآيات بطريقة أخرى فسينتج لنا الكثير من سوء الفهم والتوهم.

وثمة نقطة أود ذكرها هنا، وهي اعتقادي بأن موضوع الولاء والبراء قد أُدخل عمداً ليكون أحد أسس الإيمان في الإسلام، وقد أدخله من يريد أن يلوي أعناق الآيات القرآنية لخدمة مصالحه الشخصية. فهذا المفهوم لم يكن حاضراً في الماضي كأحد أسس الإيمان والعقيدة، بل كان يعتبر فعلاً من الأفعال السياسية. والسياسة يمكن أن تكون صواباً ويمكن أن تكون خطأً، وهذا أمر طبيعي. لكنه لا علاقة له بكونك مسلماً أو مرتداً إذا ما فعلت أشياء معينة أقحمت عمداً ضمن مفهوم الولاء والبراء. وثمة مثال طريف يبين بوضوح إن الولاء والبراء لا يحدد مواصفات المسلم المؤمن، وهو إن الله تبارك وتعالى قد أباح للمسلم أن يتزوج يهودية أو مسيحية، إذ قال جل وعز: “الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ” (سورة المائدة، الآية 5). فالله قد أباح لي الزواج امرأة يهودية أو مسيحية، وهي ستكون شريكتي في حياتي وأماً لأولادي، وهذا يعني أنني سأحبها، فكيف أحبها وأكرهها في نفس الوقت، وهو ما يتطلبه الإيمان بعقيدة الولاء والبراء؟ هذا محض تناقض، والقرآن لا يحتوي أي نوع من التناقض. غاية الأمر أننا قد أسأنا فهم الآيات القرآنية وهذا قادنا إلى عدم التفريق بين العدو المحارب بشكل خاص وبين غير المسلمين بشكل عام، وقد أضلتنا بعض العقائد المتطرفة التي تدعي كونها إسلامية.

فالعقائد المتطرفة التي نراها الآن تسود جماعات مثل القاعدة وداعش والشباب وبوكو حرام …الخ كلها تركز على الحرب كونها الحالة الأساسية الافتراضية للمسلمين مدعين بأن المسلمين يتعرضون لهجوم القوى الغربية والكفار وهذا الادعاء يتم استثماره بدعوة المسلمين لاعتبار كل الكفار كأعداء لهم ناهيك عن التأكيد على كون المسلمين في حالة حرب مستمرة حتى لو كانت هذه الحرب ضد العالم أجمع. والمتطرفون يرون كل من لا يدين بما يؤمنون به كعدو لهم، متناسين الآيات التي تتحدث عن المعاملة اللطيفة والعدالة مع غير المسلمين. ولعل مخرجهم الوحيد هو اعتماد مبدأ النسخ، إذ إنهم يدعون إن كل الآيات التي تتحدث عن السلام والمودة والعدالة والرفق مع غير المسلمين قد نسخت، وهذا يعني إنها غير قابلة للتطبيق. وهذا الاعتقاد كارثي، أن ترغم آيات القرآن أن تخدم رؤيتك وفهمك، وخاصة إذا كان هذا الفهم يدمر التناغم والسلام ويجلب الدمار للعالم. لكن موضوع النسخ هذا سيكون محور مقالة قادمة سأكتبها في المستقبل القريب بإذن الله.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.