الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلوات وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم إلى يوم الدين رضوان الله عليهم أجمعين.

الخوارج هم طائفة إسلامية نشأت في عهد الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد معركة صفين كما يقول المؤرخون. وكانت هذه المعركة بين الخليفة الرابع رضي الله عنه ومعاوية بن أبي سفيان حاكم بلاد الشام في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه. عارض الخوارج الخليفة بسبب الخلافات السياسية التي بدأت في عهده. ويُصنف الخوارج على أنهم أقوى طائفة تعمل دفاعاً عن مذهبهم وعدم تسامحهم مع الآراء المخالفة. وهم يتبعون المعنى الحرفي للنصوص المقدسة ويطبقونها دون النظر في سياقات الزمان والمكان، حتى عندما يكون واضحًا جدًا أن النبي كان يقصد ممارسة أو عبارة معينة تنطبق فقط على وقت أو حدث ماضٍ. ويطلق الخوارج على أنفسهم اسم “جماعة المؤمنين”، بينما يسميهم علماء المسلمين الخوارج لأنهم رفعوا أسلحتهم على الخليفة الشرعي والعادل وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وكلمة الخوارج مأخوذة من فعل خرجَ والمراد به حمل السلاح ضد الحاكم والخروج عليه. والغريب أن الخوارج أنفسهم اتفقوا على هذا المصطلح، وقالوا أيضًا إنهم خرجوا على حكام ظالمين وطغاة.

وعلى الرغم من أن المؤرخين يقولون إن الخوارج ظهروا في عهد الخليفة الرابع، إلا أن لدينا أدلة تثبت أن نسلهم وأصلهم كان موجودًا بالفعل في زمن النبي محمد صلى الله عليه وسلم. عن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقْسِمُ قَسْمًا أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ ‏.‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏”‏ وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ ‏”‏ ‏.‏ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضى الله عنه يَا رَسُولَ اللَّهِ ائْذَنْ لِي فِيهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ ‏.‏ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏”‏ دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاَتَهُ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ يُنْظَرُ إِلَى نَصْلِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى رِصَافِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى نَضِيِّهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ – وَهُوَ الْقِدْحُ – ثُمَّ يُنْظَرُ إِلَى قُذَذِهِ فَلاَ يُوجَدُ فِيهِ شَىْءٌ سَبَقَ الْفَرْثَ وَالدَّمَ ‏.‏ آيَتُهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إِحْدَى عَضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْىِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِثْلُ الْبَضْعَةِ تَدَرْدَرُ يَخْرُجُونَ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ فَأَشْهَدُ أَنِّي سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَشْهَدُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ – رضى الله عنه – قَاتَلَهُمْ وَأَنَا مَعَهُ فَأَمَرَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ فَالْتُمِسَ فَوُجِدَ فَأُتِيَ بِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ عَلَى نَعْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّذِي نَعَتَ ‏ (صحيح مسلم).

‏ وهناك حديث آخر رواه نفس الصحابي في وصف الخوارج بالتفصيل، عن أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ، يَقُولُ بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْيَمَنِ بِذَهَبَةٍ فِي أَدِيمٍ مَقْرُوظٍ لَمْ تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا – قَالَ – فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وَالأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ وَزَيْدِ الْخَيْلِ وَالرَّابِعُ إِمَّا عَلْقَمَةُ بْنُ عُلاَثَةَ وَإِمَّا عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كُنَّا نَحْنُ أَحَقَّ بِهَذَا مِنْ هَؤُلاَءِ – قَالَ – فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ‏.‏ فَقَالَ ‏”‏ أَلاَ تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً ‏”‏ ‏.‏ قَالَ فَقَامَ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ مُشْرِفُ الْوَجْنَتَيْنِ نَاشِزُ الْجَبْهَةِ كَثُّ اللِّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرَّأْسِ مُشَمَّرُ الإِزَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اتَّقِ اللَّهَ ‏.‏ فَقَالَ ‏”‏ وَيْلَكَ أَوَلَسْتُ أَحَقَّ أَهْلِ الأَرْضِ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ ثُمَّ وَلَّى الرَّجُلُ فَقَالَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلاَ أَضْرِبُ عُنُقَهُ فَقَالَ ‏”‏ لاَ لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ يُصَلِّي ‏”‏ ‏.‏ قَالَ خَالِدٌ وَكَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ‏.‏ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ‏”‏ إِنِّي لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلاَ أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ‏”‏ ‏.‏ قَالَ ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ وَهُوَ مُقَفٍّ فَقَالَ ‏”‏ إِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا قَوْمٌ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ رَطْبًا لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ – قَالَ أَظُنُّهُ قَالَ – لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ ثَمُودَ ‏”‏ (صحيح مسلم).

وثمة حديث يرويه علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذ يقول: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ ‏ “‏ يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلاَمِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لاَ يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ‏” (صحيح البخاري).

وقد وصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه الخوارج بأفضل طريقة في حديثه الشهير الذي يمكن أن يشير بالتأكيد إلى ما رأيناه في السنين الأخيرة في ما يسمى بالدولة الإسلامية وخليفتها المزعوم أبي بكر البغدادي. فعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : ” إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ فَالْزَمُوا الأَرْضَ فَلا تُحَرِّكُوا أَيْدِيَكُمْ، وَلا أَرْجُلَكُمْ، ثُمَّ يَظْهَرُ قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لا يُؤْبَهُ لَهُمْ، قُلُوبُهُمْ كَزُبَرِ الْحَدِيدِ، هُمْ أَصْحَابُ الدَّوْلَةِ، لا يَفُونَ بِعَهْدٍ وَلا مِيثَاقٍ، يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ وَلَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، أَسْمَاؤُهُمُ الْكُنَى، وَنِسْبَتُهُمُ الْقُرَى، وَشُعُورُهُمْ مُرْخَاةٌ كَشُعُورِ النِّسَاءِ، حَتَّى يَخْتَلِفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْحَقَّ مَنْ يَشَاءُ ” رواه ابي نعيم بن حماد في كتاب الفتن (573).

علينا أن نتذكر أن علي بن أبي طالب رأى الخوارج وحاربهم فهو بالتأكيد لا يشير إلى ذلك الوقت، وهذا يدل على إنه رضي الله عنه كان يتنبأ بما سيحصل في المستقبل. ويقول العلماء إن مثل هذه النبوءات ليست مما يقال بالرأي، بالتالي فلا بد أنه سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم.

يتضح من هذه الأحاديث المذكورة هنا وغيرها أن للخوارج خصائص معينة ، مثل:

  • قلة فهم القرآن ووعيه.
  • زهد وعبادة وخبث اعتقاد.
  • سلم على أهل الكفر حرب على أهل الإسلام.
  • حدثاء الاسنان وسفهاء الأحلام.
  • أسماؤهم الكنى ونسبتهم القرى مثل: أبو قتادة التونسي وأبو مصعب الزرقاوي وأبو بكر البغدادي.

إن عقيدة الخوارج التي تميزهم عن طوائف المسلمين الأخرى هي:

  • الخروج على الحكام إذا خالفوا منهجهم وفهمهم للدين.
  • تكفير أصحاب الكبائر من المسلمين.
  • التبروء من الخليفتين الراشدين عثمان وعلي رضي الله عنهما.
  • تجويز الإمامة العظمى في غير القرشي، فكل من ينصبونه ويقيم العدل فهو الإمام، سواء أكان عبدا أم حرا، عجميا أم عربيا. وذهبت طائفة منهم وهم النجدات إلى عدم حاجة الناس إلى إمام، وإنما على الناس أن يتناصفوا فيما بينهم، فإن رأوا أن لابد من إمام جاز لهم أن يقيموا لهم إماماً.

وهناك أمور أخرى يمارسها من كان على معتقدهم، لكن النقاط المذكورة سابقاً كافية لهذه المقالة الموجزة.

على الرغم من أن كل الخوارج لديهم نفس العقيدة، على الأقل في البداية، يمكن تصنيف العديد من الخوارج الذين ظهروا تاريخيًا وتقسيمهم إلى طوائف مختلفة. كل طائفة لها أيديولوجيتها الخاصة. وهذه الطوائف هي:

  • الأزارقة: أتباع نافع بن الأزرق. قرروا أن “ديار مخالفيهم هي ديار كفر” فمن أقام بها فهو “كافر”، وقالوا أن “أطفال الكفار” سيخلدون في النار، وأنكروا رجم الزاني، وأقروا الحد لقذف المحصنة دون قذف المحصن، وسووا في قطع يد السارق بين أن يكون المسروق قليل أو كثير.
  • الصفرية: أتباع زياد الأصفر، وهم مثل الأزراقة، خالفوهم فقط في امتناعهم عن قتل اطفال المخالفين لهم في الاعتقاد.
  • النجدات: أتباع نجدة بن عامر الحنفي. قالو أن الدين أمران:
  • معرفة الله ومعرفة رسوله وتحريم دماء المسلمين وأموالهم.
  • الإقرار بما جاء من عند الله جملة.

وما عدا ذلك من الحلال والحرام والشرائع فالجاهل بها معذور لأنها ليست من الدين وقالوا بكفر المصر على الذنب والمعصية كبيرة كانت أم صغيرة.

  • العجاردة: هم اتباع عبد الكريم بن عجرد وكان من النجدات، لكنهم يختلفون عنهم بما يلي:
  • وجوب دعوة الطفل إذا بلغ والبراءة منه أو التوقُّف فيه قبل ذلك، ومنهم من حكم بأنَّ أطفال المشركين في الجنَّة ومنهم من قال في النار.
  • يتولَّون القَعَدَة من الخوارج إذا عُرِفُوا بالتقوی من موافقيهم في الدين والمذهب.
  • لا يرون وجوب الهجرة إليهم بل يستحبُّونها.
  • عامَّتهم (في الأصل) لا يستبيحون أموال المخالف إلَّا إذا قتلوه.

  • الإباضية: أتباع عبد الله بن إباض. هم أقل الخوارج غلوا، وأكثرهم اعتدالا. فعندهم أن كفر مرتكب الذنوب الكبائر هو “كفر نعمة” وليس “كفر شرك”، ولم يقولوا أن أطفال الكفار مخلدون في النار.

بعد كل هذه المعلومات حول الخوارج، فإن إجراء مقارنة بسيطة بينهم وبين الجماعات المتطرفة مثل داعش والقاعدة والشباب سيؤدي إلى تطابق تام في العقائد والمواقف والسلوك. إنهم يعتبرون خطراً على الإسلام والمسلمين والعالم أجمع!

فكر وتأمل في هذه النصوص واسأل الله أن يرشدك إلى صراطه المستقيم، ولا تنخدع بالمسلمين المزيفين الذين سيقودونك إلى النار. أسأل الله أن يوفقنا ويرشدنا إلى صراطه المستقيم آمين!

الشيخ علي

غير مصنف

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.