الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

فلما كان الجميع سواسية في الإسلام، فكلهم أولاد أب واحد وأم واحدة، آدم وحواء، فلماذا يحق للرجل أن يتزوج بأكثر من زوجة، اثنين أو ثلاث أو اربع، في الوقت الذي يحرم فيه على المرأة أن تتزوج بأكثر من زوج في نفس الوقت؟ أليس هذا الأمر منافياً للمساواة؟

للإجابة عن هذا السؤال علينا ان نفرق بين الدين المنزل بالوحي، الذي يحتوي على شرائع مخصوصة وضعت لتلائم كل زمان ومكان، وبين القانون الوضعي الذي قد يلائم حادثة معينة في وقت معين ومكان معين. فالأخير قد يتغير حسب اختلاف الحوادث، لذا فالقانون الوضعي يشرع لحل المشاكل في أوقات مخصوصة. أما فيما يتعلق بالدين، وأخص الإسلام هنا، فالوضع مختلف طالما إن الله تعالى هو الذي وضعه، وهو يعلم كل تفاصيل خلقه ويعلم ما ينفعهم وما يضرهم، يقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز: ” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ” (سورة الملك، الآية 14). فالإسلام ليس مخصوصاً للعرب أو الغرب، الإسلام هو لجميع البشر الذين يقطنون المدن والقرى والصحاري والأماكن الأخرى.

فتعدد الزوجات ليس شيئاً جائزاً في الإسلام فحسب، فهو امر موجود في أديان وثقافات أخرى. فاليهودية والمورمونية المسيحية تعتبر امثلة جيدة لتعدد الزوجات. فالنبي داود الملك عليه السلام كان لديه العديد من الزوجات والإماء، وشاؤول كذلك. والمورمون كذلك لديهم نظام تعدد الزوجات. لذا فنحن نرى التعدد مرتبطاً بالثقافات، فالتعدد كان مقبولاً وممارساً في العديد من الحضارات في الماضي، ولا يزال يمارس في الكثير من الأماكن في وقتنا الراهن. والإسلام احترم هذه الثقافات وجعل التعدد مباحاً، لكنه ليس واجباً. لذلك لو كانت إحدى الثقافات لا تتقبل التعدد فليس ثمة ما يجبرها على ممارسته. فالرجال يمكنهم أن يحترموا القوانين والعادات المحلية والعيش مع زوجة واحدة.

لكن كما إن الإسلام لم يكره أحداً على ممارسة التعدد، فالإسلام لا يبيح لأحد أن يمنعه كذلك. فالاختلاف محترم، والله خلقنا مختلفين لنتعرف على بعضنا/ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (سورة الحجرات، الآية 13).

فكون المرء يحمل ثقافة مختلفة لا يعطيه الحق في انتقاد عادات الآخرين ووصمها بالصواب او الخطأ، إذ يمكن أن تكون هذه الرؤى نسبية في مثل هذه المواضيع. فالحضارة الغربية المعاصرة تسمح للرجل بأن يكون لديهم زوجات متعددة لكن ليس في نفس الوقت، وهذا يمكن ان يتم بتطليق زوجة وتزوج أخرى بشكل متكرر. والإسلام بدوره يبيح الطلاق، لكنه حين أباح التعدد فإنه يعطي حلاً مختلفاً وأكثر عدلاً من الطلاق بالنسبة للرجل الذي يريد تزوج أكثر من زوجة واحدة.

وينبغي علينا أن نلاحظ أن الإسلام جاء في حقبة زمنية كانت فيها جزيرة العرب تجيز تعدد الزوجات من دون قيد أو شرط. ونتيجة لذلك لم يحرم الإسلام التعدد، لكنه وضع شروطاً مخصوصة على الرجل ليتمكن من التعدد. أول هذه الشروط يجب ان يكون لديه القدرة المالية والجنسية ليتزوج بأكثر من امرأة. وثانيها يحرم عليه أن يتزوج بأكثر من أربع نسوة في نفس الوقت. ثالثها أن الرجل يجب عليه أن يعدل بين نسائه في التعامل. لكنه إن علم أنه لن يعدل بينهن فيجب عليه أن يقتصر على زوجة واحدة. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ” فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا” سورة النساء، الآية 3). وقد حذر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرجل الذي لا يعدل بين نسائه فقال: ” مَنْ كَانَتْ لَهُ اِمْرَأَتَانِ , فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا , جَاءَ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ” (سنن أبي داود، 2133). وقد فسر بعض العلماء المعاصرين هذا الحديث بأن الرجل الذي لديه زوجتان فأكثر ويميل لأحداهن سيأتي يوم القيامة وهو يعاني من الشلل النصفي.

دعونا الآن نتعامل مع المسألة بشكل منطقي. فأعداد النساء في الغالب أكثر من أعداد الرجال، خصوصاً في الماضي بعد فترات الحروب. ويعود هذا إلى عدة عوامل كموت المواليد الذكور أكثر من الإناث نظراً لهشاشتهم، ومقتل الرجال في الحرب هو العامل الرئيسي، فالضحايا هم من الذكور لا الإناث. لذا فهناك أزمنة وأماكن حيث لا يوجد ما يكفي من الأزواج لكل الزوجات. فبعض النساء يرغبن بالزواج بالتأكيد ويكون لهن حياتهن الجنسية ويلدن الأطفال، لكن ليس هناك ما يكفي من الرجال ليتزوجوهن، فسيصبن بالإحباط الجنسي والقلق وقد يتم إغراؤهن لإقامة علاقات محرمة. ولكي يحققن أهدافهن ويعشن حياة التقوى فقد لا يمانعن أن يكن زوجات ثانية أو ثالثة لرجل ناجح. والعدالة تكفل أن تعطى هذه النسوة الحق في إشباع رغباتهن في الحلال لأنه خيارهن، ولهن الحق الكامل في قبول او رفض هذا الخيار. لذا فان تشريع قوانين معينة تمنع تعدد الزوجات يقيد خياراتهن المشروعة ليحصلن على علاقة جنسية تقية، وأطفال وأسرة.

لكن طالما إن الإسلام أعطى الرجل الحق في أن يتزوج بأكثر من زوجة، فلماذا لم يسمح للمرأة بان تتزوج من اكثر من رجل؟ لا أحد يستطيع أن يطلع على علم الله، ولكن بوسعنا أن نثق بأن الله الذي خلق الرجل والمرأة يعلم علماً يقينياً ما يصلح للرجل وما يصلح للمرأة. وقد يكون السبب في إن الإسلام الذي يؤكد على نقاء الأسرة ويجعل احترام حق الطقل في أن يكون له أب يعرفه أمراً إلزامياً لن يتقبل أماً لديها العديد من الشركاء. فعلى سبيل المثال لو كانت أم الطفل لديها أربعة ازواج، كيف لنا أن نعرف من هو أبوه الحقيقي؟ وقد يقول البعض من خلال فحص الدي إن أي، إلا إن هذا الفحص ليس دقيقاً بنسبة 100%، لذا فسيبقى لدينا هامش من عدم اليقين. وهناك سبب آخر محتمل وهو مرتبط بنفسية الرجل والمرأة، فالرجال يمكنهم بسهولة أن يقيموا علاقات جنسية مع أكثر من امرأة، مع بقاء حبهم لأزواجهم، اما المرأة فهي بشكل عام تجد صعوبة أكبر لفعل نفس الشيء إلا ان يتوقف حبها لزوجها. وقد تكون هذه سمة متأصلة لدى المرأة أن ترتبط بالرجل الذي تخاطر بالحمل معه، حيث من المحتمل أن تحتاج إلى دعمه إذا نتج الحمل عن تلك العلاقة. لا يتعرض الرجال لمثل هذا الخطر عندما يمارسون الجنس من أجل المتعة فقط، ولا داعي للقلق في المستقبل بشأن احتمال أن يصبحوا معتمدين على شريكهم في حالة حدوث حمل. وعلى أي حال، لا يمكننا أن نعرف على وجه اليقين لماذا لم يمنح الله هذا الحق للمرأة، لكن يجب علينا احترام ذلك والرضا به.

ينبغي علينا ملاحظة إن الرجل الذي يتزوج بامرأة ثانية او ثالثة أو رابعة لا يفعل ذلك في السر. فالزواج هو علاقة علنية وكل زوجة وأسرة تستحق ان تظهر للعلن كزوجة لرجل متزوج من أكثر من زوجة. وبالمثل، فان زوجته قد ترفض الفكرة وتطلب طلاقها منه، لذا فهناك مخاطر بالنسبة له حال اتخاذه لذلك القرار. وهناك أمر آخر، يقرره القرآن الكريم، وهو صعوبة أن يعدل الرجل وبالتالي فهو محاسب امام الله إذا فشل في الحفاظ على حياته الجنسية في حدود الزواج، أو حتى الزيجات المتعددة، وأن يكون عادلاً مع جميع أفراد عائلاته، ولهذا يقول العلماء أن تعدد الزوجات هو حل لمشكلة لا لخلق واحدة أخرى!

أخيرًا ، إذا اعتقدنا أنه يمكن تحقيق الزواج الأحادي من خلال قواعد صارمة وتشريعات قاسية فقد نكون مخطئين. فنحن نعلم أن العلاقات المحظورة تحدث حتى في حالة وجود قواعد صارمة. بالإضافة إلى ذلك ، ففي كتابها “أسطورة الزواج الأحادي” وجدت بيغي فوغان أن حوالي 75٪ من الرجال في الغرب خانوا زوجاتهم مرة واحدة على الأقل بعد الزواج، على الرغم من أن دراسات أخرى وجدت أن النساء يغشون أيضاً، بمعدل نصف عدد الرجال. وهذا يعتبر من كبائر الذنوب في الإسلام. إن الإسلام يولي اهتماماً خاصاً بالأسرة بشكل خاص، والمجتمع بشكل عام، وشرع العديد من القواعد لحمايتهم، بما في ذلك إجازته لتعدد الزوجات للرجل، لكن مع قواعد صارمة لاحتواء الرجل الذي قد يخون زوجته لولا ذلك. فالسماح للرجل بأن يكون له عدة زوجات يمكن أن يحمي جميع النساء اللاتي اقترن بهن، في حال تزوج الرجل بعدة زوجات بدلاً من الخيانة، فإن كل امرأة من زوجاته لها حقوق ويولد الأطفال من هذا الارتباط بشكل شرعي في الزواج والأسرة ويجب على الرجل والمجتمع احترام كل زوجة وأسرة على قدم المساواة وفقًا لتعاليم الاسلام.

إن الزواج علاقة إلهية، والله وحده يعلم آثاره الروحية على الإنسان والمجتمعات، وأمرنا أن نسير في طريقه لحياة مزدهرة ونقية، وحذرنا من اتباع خطوات الشيطان. قال الله تعالى في القرآن الكريم: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” (سورة النور، آية 21). هذا هو سبيل الله، والخيار لنا في أن نؤمن أو أن نكفر، كما يقول الله تعالى: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا” (سورة الكهف، الآية 29). لذلك يجب أن نأخذ أحكام الإسلام الخاصة بالحياة الجنسية الأخلاقية على محمل الجد، والتي تقتصر في الإسلام على الزواج، بما في ذلك الزيجات المتعددة للرجال، لئلا نعاني من عقاب الله في الآخرة إذا أخفقنا في ذلك.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.