الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

الإسلام هو نظاك حياة. ولديه تشريعات متفردة تتعلق بالسياسة والاقتصاد والمجتمع وهكذا. وتعد الحرية والعدالة بين الناس قيمتان مهمتان للغاية في الشريعة الإسلامية. فحرية الأفراد قيمة مرعية ومحمية حتى حينما يتعلق الأمر بالإيمان بالله أو الكفر به، ناهيك عن حرية السوق وحرية الملكية. يقول الله تعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (الكهف، الآية 29). فنرى في هذه الآية إن الله يعطي الحرية للبشر حتى في عدم الإيمان به وتلبية أمره.

فنحن المسلمون ندعي إن الإسلام فيه حلول كل المشاكل التي تعاني منها البشرية جمعاء. وإحدى هذه المشاكل التي تعامل الإسلام معها هي مشكلة العبودية. هذه الحالة البائسة التي يكون فيها الإنسان ويعامل فيها كما تعامل قطع الأثاث التي يمكن أن نجدها في مراحل ما قبل الإسلام حيث كان العبيد يتعرضون للأذى بل ويقتلون، وهو أمر شنع عليه الإسلام وأدانه. ويمكننا أن نقف على العديد من الأمثلة على ذلك في عهد قدماء المصريين والبابليين والفرس والروم والهنود والإغريق والعرب. وقد استمرت العبودية حتى أواخر القرن الثامن عشر كما تقول الدراسات. ويحكي لنا التاريخ عن أبشع وأشنع الطرق وأقبحها في إذلال العبيد وإيذائهم. وقد كان القانون البشري آنذلك لا ينص بوضوح على إنهاء الرق بطريقة تحترم البشرية.

حينما جاء الإسلام كان الرق منتشراً بشكل كبير في المجتمع. وكان إنهاؤها بشكل مباشر أمراً في غاية الصعوبة. فقد كانت الإجراءات الإسلامية في التعامل مع أمراض المجتمع لبناء مجتمع إسلامي أفضل تتسم بالتدريج بشكل عام، ورغم كون العلاج بطيئاً إلا إن نتائجه مؤكدة. فالإجراءات التدريجية تتبع اليوم في مراكز إعادة التأهيل في كافة أنحاء العالم لعلاج إدمان الكحول ومشاكل الاضطرابات العقلية وحتى التطرف العنيف. والإسلام ليس بدعاً من القول في هذا الصدد، من العمل البطيء لاجتثاث المرض من المجتمع وإزالته. فمقاصد الشريعة الإسلامية هي حماية الدين والنفس والمال والعرض والعقل. هذه المقاصد هي نتاج فهم جوهر النصوص الشرعية، أي القرآن والسنة.

دعونا الآن نتناول أمرين مهمين، أما الأول فهو ابتداء حالة الرق والعبودية، وأما الثاني فهو التعامل مع حالة الرق من ناحية الإبقاء عليها أو إلغائها. كان الرق موجوداً قبل الإسلام، وهو أمر يمكن إثباته بالأدلة التاريخية. وثمة الكثير من الطرق التي كان يمكن أن يتحول بها الإنسان الحر إلى عبد قبل الإسلام، مثل أن يكون أسير حرب أو أن يولد لأبوين من العبيد أو أن يرتكب جريمة معينة أو أن يكون ضحية للقرصنة أو الاختطاف أو حتى يكون أحد أفراد قبيلة معينة أو مجتمع معين.

حينما نستعرض النصوص الإسلامية المقدسة لننظر هل هناك أي نص يؤسس للرق فسنرى إن الجواب هو عدم وجود أي نص في القرآن أو السنة يؤسس للرق والعبودية. بل العكس هو الصحيح، إذ نستطيع أن نقف على نصوص تلغي الرق. فالقرآن يصرح بأن الحرب حين تنتهي فهناك خياران لا ثالث لهما فيما يخص الأسارى، قال الله تعالى: “فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ” (سورة محمد، الآية 4). فليس ثمة خيار الاستعباد في هذه الآية الكريمة، على الرغم من إنها تتكلم على وجه الخصوص عن عن أسرى الحرب الذين كانوا يتحلون من فورهم إلى عبيد قبل الإسلام في ظروف مماثلة. فالآية تفسر الإجراءات المتبعة في القبض على مقاتلي العدو كأسرى حرب، ثم تحصر مصير هؤلاء الأسرى إما بإطلاق سراحهم بالمجان أو مقابل فدية تؤخذ من العدو، قد تكون مبلغاً من المال أو أشياء عينية أو إطلاق سراح أسرى المسلمين الذين لدى العدو. وليس هناك خيار آخر في تحويلهم إلى عبيد، وإلا لذكرت الآية ذلك الخيار ولأعطت الخيار للمالك بأن يفعل ما يشاء بهم.

لفد نظم الإسلام علاقة العبد بسيده. وكان مضمون الكثير من النصوص المقدسة ينطوي على التدرج الذي ينتهي بالحرية فضلاً عن معاملتهم بالحسنى واحترامهم والمساواة بينهم. يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ” (متفق عليه).

أما فيما يتعلق باستعباد الأحرار بطرقه المتعددة، يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: “قال الله تعالى‏:‏ ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ‏:‏ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا، فاستوفى منه، ولم يعطه أجره‏” (صحيح البخاري، 2227). وكان هذا الانطباع العام عن الحرية حاضراً باستمرار بعد مجيء الإسلام. حتى إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال يوماً: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟” الأمر الذي منظوراً قطعياً عن حماية الحرية واستدامتها كهدف عام في التشريعات الإسلامية.

لماذا إذن نرى ونسمع الكثير من المسلمين يقولون إن العبودية لا تزال جائزة في الشريعة الإسلامية بل إن بعض الفرق المتطرفة كداعش  يستعبدون الأحرار مثل اليزيديين؟ وللإجابة على هذا السؤال نقول بأن منهجية فهم نصوص القرآن والسنة ينبغي أن تكون منهجية مطردة منطقية. فينبغي علينا تفحص الآيات والأحاديث المتشابهة لرؤية الصورة الكاملة. فاقتطاع بعض الآيات أو ألأحاديث من سياقها لا يعطينا الصورة الكاملة، بل على العكس هذا من شأنه تدمير الصورة الكلية وخلق الاضطرابات في النصوص المقدسة. لذا فحينما عمدت جماعات معينة إلى أخذ الإجراءات التدريجية التي شرعتها نصوص القرآن والسنة خارج سياقاتها الحقيقية ويدعون بأن هذه النصوص هي أدلة صريحة لاستعباد الأسارى واسترقاقهم، وهم يدعون بأن تلك النصوص تقضي بجواز استرقاق الأسارى من غير المسلمين، كاليزيديين. فتراهم يأتون بالأحاديث الضعيفة التي تقول بأن بعض الصحابة قد استرقوا الأسرى وهو أمر مختلق في الأصل. فاليزيديون كانوا أناساً أحراراً وأولئك الذين استعبدوهم واغتصبوا نساءهم وباعوهم قد ارتكبوا ذنباً كبيراً أمام الله تبارك وتعالى. وسيكون الله هو خصمهم يوم القيامة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديثه السابق. لهذا فان الجماعات من أمثال داعش التي استعبدت وسهلت الاغتصاب الممنهج للنساء فان غضب الله وعقابه وشيك عليهم.

ولنا أن نسأل لماذا لم يحرر الإسلام العبيد في أول يوم؟ فهذا جواب مماثل لكيفية انتهاء العبودية في كثير من دول العالم. فقد كان من الصعوبة بمكان تحرير ذلك العدد من الناس حيث إن العبيد كانوا معتمدين بالكلية على أسيادهم ولم يكن أولئك الأسياد ليحررونهم فجأة من دون خسارة كبيرة. والإسلام جاء لحل المشاكل لا لخلقها. فتحرير هذا العدد من الناس فجأة كان من شأنه أن يخلق الكثير من المشاكل الاجتماعية، فمعظم العبيد لم يكونوا يتقنون أية مهنة لكسب المال. والكثير منهم لم يكونوا يعرفون معنى الحرية. وبالمثل كان أسيادهم كانوا يحتاجون إلى توجيهات ليكونوا أسخياء ويعاملوا كل البشر معاملة ملؤها المساواة والحب للآخرين والعيش كأخوة. لحل مشكلة العبودية جاء الإسلام ووضع تشريعات معينة لتعليم العبيد مهارات العمل وألزمت مالكيهم بتحريرهم بعد أن يدفع العبيد قيمتهم. وهناك بعض المخالفات الشرعية التي لا يمكن أن تغفر إلا بتحرير رقبة الأمر الذي شجع المالكين لتحرير العبيد. فكيف يمكن لدين جفف منابع الرق وموارده ويشجع المؤمنين على تحرير العبيد أن يكون ديناً للاستعباد؟ إذا أجرينا حساباً بسيطاً فسوف نعلم إن أعداد العبيد كانت في تناقص مستمر لأن الإسلام جفف منابع الرق. أرجو أن أكون قد وفقت في بيان هذه المسألة المهمة في هذه المقالة القصيرة. والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.