الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

نحن نؤمن كمسلمين بأن الله سبحانه وتعالى خلق البشر على هذه الأرض ليعبدوه وسخر كل شيء في هذا العالم لمنفعتهم، يقول تعالى: “وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (سورة الجاثية، الآية 13). وقد منحهم الحرية ليختاروا عبادته أو عدمها، يقول تعالى: “وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ” (سورة الكهف، الآية 29).

ولعل أحداً يثير سؤالاً مفاده: “هل هناك حرية اختيار حقيقية في الإسلام من حيث الإيمان والكفر؟ ألا يخلق هذا تناقضاً مع مفهوم علم الله الأزلي بكل شيء؟ بتعبير آخر، إن كان الله يعلم كل شيء مسبقاً من البداية، وذلك قبل خلق الكون، يعلم من سيؤمن ومن سيكفر ويعلم من سيدخل الجنة ومن سيدخل النار، فأين حرية الاختيار هذه؟

وهذا سؤال جيد جداً، رغم كونه قديماً جداً أيضاً. وهو يرجع إلى سوء الفهم المتعلق بصفات الله جل وعز. فمعظم الصفات لها متعلقات أو معانٍ إضافية، وهذه المتعلقات تختلف وبتعلقاتها حسب الصفة. فصفة العلم، وهي من الصفات الواجبة لذات الله العلية، تستلزم أن يكون الله عالماً بكل شيء منذ الأزل، فليس ثمة شيء موجود أو معدوم خارج نطاق علمه تعالى. وهذه الصفة لها تعلق وحيد أوحد وهو انكشاف كل شيء منذ الأزل, وهذا التعلق لا تأثير له على الواقع.

وإليك مثالاً جيداً على ذلك، لعله يزيل سوء الفهمالذي قد يحصل حينما نفكر في صفات الله وأفعاله وفي الواقع. تصور نفسك تشاهد فيلماً مرة أو مرتين، وأمسيت تتذكر بعض الأحداث التي تجري في هذا الفيلم. والآن تصور نفسك تشاهد نفس الفيلم مع صديق لك وهذا الصديق يشاهده للمرة الأولى. فحين تتذكر ما سيحدث في الفيلم وتخبر صديقك بما تعلم، هل هذا يؤثر في سير أحداث الفيلم؟ بالطبع لا! فعلمك لا تأثير له على الفيلم. ويمكن قول ذات الشيء عن علم الله، ولله المثل الأعلى. فوجود الإله يستلزم علمه بكل شيء وإلا فلن يكون إلهاً. أما حرية الاختيار فهي أمر حقيقي وبوسعنا أن نشعر بها حين نتخذ قراراتنا. ولا يمكن لأحد أن يدعي وجود قوة خفية تجبره على اختيار دون آخر.

وثمة جانب آخر مفاده إن حرية الاختيار هي أمر ضروري في جعل يوم الحساب أمراً منطقياً. فلو لم يكن لدى البشر حرية اختيار فلماذا سيحاسبهم الله؟ لماذا سيحاسبهم على اختياراتهم في هذه الحياة؟ لماذا سيعطي الجنة لمن يختار الاختيار الصحيح ويعطي النار لمن اختار الاختيار الخاطيء إن كان قد برمجهم على هذه الاختيارات مسبقاً؟ هذا الأمر ليس منطقياً البتة. الله هو الحكيم العادل، وهذه الصفتان الجميلتان لوحدهما تعطينا يقيناً إن الله جل وعز لا يوقع الظلم على خلقه. والقرآن يصرح بأن البشر لديهم الخيار، وبوسعنا أن نقرأ الكثير من الآيات في هذا المعنى مثل قوله تعالى: “إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا” (سورة الإنسان، الآية 3) وقوله تعالى: “قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ” (سورة يونس، الآية 108) وقوله تعالى: “وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ” (سورة المائدة، الآية 48).

ولنختم هذه المقالة بهذه الكلمات الموجزة التي تلخص ما تقدم فنقول، إن الله خلق البشر في هذا العالم وأعطاهم نعمة العقل ليتفكروا. وأرسل إليهم الرسل لهدايتهم وأسندهم بالمعجزات. ومع كل هذا أعطى البشر حرية الاختيار. وهو يثيب من أطاعه وأطاع رسله بالجنة ويعاقب من عصاه بجهنم. يقول نبينا عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي قوله: “يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلاَ تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلاَّ مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلاَّ مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلاَّ مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلاَّ كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلاَ يَلُومَنَّ إِلاَّ نَفْسَهُ” (صحيح مسلم، الكتاب 45، الحديث 70).

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.