الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه

أما بعد..

فالعرقية هي أن تعتقد بأن شخصاً آخر دونك في الإنسانية بسبب لون بشرته أو لغته أو زيه أو محل ولادته أو دينه أو أي عامل آخر يظهر طبيعة ذلك الشخص الأساسية. إلا إن الإسلام من حيث كونه دين عدل ومساواة ينص على إن كل البشر سواسية، فهم أبناء أب واحد وأم واحدة، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا” (سورة النساء، الآية 1). فليس هناك فرق في الإسلام بين عربي وغير عربي إلا بالتقوى والقرب من الله. ولما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عربياً، فقد يظن الناس أن العرب متفوقون على الآخرين، فقد أعلنها بصراحة قائلاً: “لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود او لأسود على أبيض إلا بالتقوى، الناس لآدم، وآدم خلق من تراب” (شرح الطحاوية، 361). فليس في الإسلام ماكن للمناصب وليس فيه مكان للتعصب المرتبط بالعرق أو النسب أو الوطن او محل الولادة أو اللغة أو اللهجة أو الجنس او اللون سواء كان أبيض أو أسود او أحمر. فهذه الاختلافات خلقها الله لغرض واحد فقط، ألا وهو التعارف، يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” (سورة الحجرات، الآية 13).

حتى حينما كان هناك عبيد في بداية الإسلام، فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم حث المسلمين على تحريرهم وبين أنهم إخوة لنا. عَنِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، قَالَ مَرَرْنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ بُرْدٌ وَعَلَى غُلاَمِهِ مِثْلُهُ فَقُلْنَا يَا أَبَا ذَرٍّ لَوْ جَمَعْتَ بَيْنَهُمَا كَانَتْ حُلَّةً ‏.‏ فَقَالَ إِنَّهُ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنْ إِخْوَانِي كَلاَمٌ وَكَانَتْ أَمُّهُ أَعْجَمِيَّةً فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَلَقِيتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ ‏”‏ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ ‏”‏ ‏.‏ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمُّهُ ‏.‏ قَالَ ‏”‏ يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ هُمْ إِخْوَانُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ وَأَلْبِسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ” (صحيح مسلم، الكتاب 27، الحديث 60).

يعلمنا الإسلام أيضاً إن ميل الشخص إلى الشعور بتفوقه هو شر، إذ كان ذلك اول خطيئة في الخليقة اقترفها إبليس. يقول الله تعالى في القرآن: ” وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ” (سورة الأعراف، الآيات 11-13).

فالغرور يخلق التكبر، والتكبر هو النتيجة الحتمية للتفوق، وهو يعتبر الذنب الذي يمنع المرء من دخول الجنة، وهو يليق بالخالق لا بالمخلوقين امثالنا. يقول النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: ” لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ” (صحيح مسلم، الكتاب 1، الحديث 173). وفي حديث آخر يقول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم: ” قال الله عز وجل‏:‏ العز إزاري والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته” (رياض الصالحين، 617). في هذا الحديث نرى أن هاتين الصفتين، العز والكبرياء، هما صفتان لله تعالى، فلا يجوز لأحد أن يتصف بهما سواه تعالى. ولنتفحص بعض الممارسات التي تثبت إن العزة والكبرياء لم تكن محل ترحيب في المجتمع الإسلامي.

عن الإمام الشعبي قال: خرج علي بن أبي طالب إلى السوق، فإذا هو بنصراني يبيع درعا، قال: فعرف علي الدرع فقال: هذه درعي، بيني وبينك قاضي المسلمين. قال: وكان قاضي المسلمين شريح، كان علي استقضاه. قال: فلما رأى شريح أمير المؤمنين قام من مجلس القضاء، وأجلس عليا في مجلسه، وجلس شريح قدامه إلى جنب النصراني، فقال له علي: أما يا شريح لو كان خصمي مسلما لقعدت معه مجلس الخصم، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تصافحوهم، ولا تبدءوهم بالسلام، ولا تعودوا مرضاهم، ولا تصلوا عليهم، وألجئوهم إلى مضايق الطرق، وصغروهم كما صغرهم الله)

اقض بيني وبينه يا شريح. فقال شريح: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ قال: فقال علي: هذه درعي ذهبت مني منذ زمان. قال فقال شريح: ما تقول يا نصراني؟ قال: فقال النصراني: ما أكذب أمير المؤمنين، الدرع هي درعي. قال فقال شريح: ما أرى أن تخرج من يده، فهل من بينة؟ فقال علي رضي الله عنه: صدق شريح. قال فقال النصراني: أما أنا أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين يجيء إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه، هي والله يا أمير المؤمنين درعك، اتبعتك من الجيش وقد زالت عن جملك الأورق، فأخذتها، فإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. قال: فقال علي رضي الله عنه: أما إذا أسلمت فهي لك، فقاتل هذا اليهودي مع علي كرم الله وجهه واستشهد في النهروان في حربه مع الخوارج. (السنن الكبرى، 10-136).

وهناك دليل آخر على إن العبودية لا مكان لها في الإسلام، عن أنس بن مالك: كنا عند عمر بن الخطاب – رضوان الله عليه – إذ جاءه رجل من أهل مصر، فَقَالَ:” يا أمير المؤمنين، هذا مقام العائذ بِكَ، قَالَ: وما لك؟ قَالَ: أجرى عمرو بن العاص بمصر الخيل فأقبلت فرسي، فلما رآها الناس قام مُحَمَّد بن عمرو فَقَالَ: فرسي ورب الكعبة، فلما دنا مني عرفته، فقلت: فرسي ورب الكعبة فَقَامَ إلي فضربني بالسوط، ويقول: خذها وأنا ابن الأكرمين، فوالله ما زاده عمر على أن قَالَ له: اجلس، ثم كتب إلى عمرو إذا جاءك كتابي هذا فأقبل، وأقبل معك بابنك مُحَمَّد، فدعا عمرو ابنه فَقَالَ: أحدثت حدثاً؟ أجنيت جناية؟ قَالَ: لا، قَالَ: فما بال عمر يكتب فيك؟ فقدم على عمر، فو الله إنا عند عمر حتَّى إذا نحن بعمرو وقد أقبل في إزار ورداء، فجعل عمر يلتفت هل يرى ابنه، فإذا هو خلف أبيه، فَقَالَ: أين المصري؟ فَقَالَ: ها أنا ذا، قَالَ: دونك الدرة فاضرب ابن الأكرمين، اضرب ابن الأكرمين، فضربه حتَّى أثخنه، ثم قَالَ: أحلها على صلعة عمرو! فو الله ما ضربكَ إلا بفضل سلطانه فَقَالَ: يا أمير المؤمنين قد ضربت من ضربني، قَالَ: أما والله لو ضربته ما حلنا بينك وبينه حتَّى تكون أنت الَّذِي تدعه، أيا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً ثم التفت إلى المصري، فَقَالَ: أنصرف راشداً، فإن رابكَ ريب فاكتب إلي” (فتوح مصر والمغرب، 290). فها نحن نرى نصوصنا المقدسة تعلمنا التواضع لله العزيز المتكبر، وأن نحترم حريات الجميع.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.