الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين سيدنا محمد المختار الأمين وعلى آله الأتقياء الطيبين وأصحابه المخلصين. ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين رضي الله عنهم أجمعين.

أما بعد

فالإسلام ليس ديناً ينظم العلاقة بين البشر وخالقهم فحسب، بل إنه نظام حياة يتضمن ثلاث نقاط مهمة: العقيدة وهي العلاقة بين العبد وخالقه، والعلاقة بين الإنسان ونفسه، والعلاقة بين الإنسان وغيره.

أما منظومة العقائد فهي العلاقة بين الإنسان وخالقه، يتم تنظيمها عن طريق منظومة من القواعد المبنية على ما ينبغي أن يؤمن به كل مسلم، وهي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره. يقول الله تعالى: “آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ” (سورة البقرة، الآية 285). وحين سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الإيمان في حديث جبريل المشهور قال: “أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ” (صحيح مسلم). أما النقطة الثانية فهي العلاقة بين المسلم ونفسه، كيف ينبغي أن يكون صادقاً مع نفسه وكيف يحمي نفسه ويصونها من الأذى الداخلي والخارجي. والنقطة الثالثة هي العلاقة بين المسلم وغيره، كيف يحقق المصالح المشتركة ويحمي الآخرين من الضرر. وهذه النقطة تتضمن الكثير من الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية …الخ.

لعل من الجوانب المهمة في أي مجتمع إنساني هو الجانب الاقتصادي. فالاقتصاد القوي هو العمود الفقري لأية دولة، إذ إنه يحدد دخل الدولة بشكل عام ودخل الأفراد كذلك. لقد وضعت الشريعة الإسلامية قواعد عامة للدخل، الأمر الذي يخلق نطاقاً واسعاً للأنشطة كالتبادل التجاري والاستثمار. والشريعة حددت كذلك نطاق تلك الأنشطة التجارية بما يتلاءم مع الثوابت التي أسستها نصوص القرآن والسنة كمبدأ حقوق الملكية، إذ يحرم على أحد أن يبيع شيئاً لا يملكه. ومبدأ (الضرر مرفوع) هو مبدأ عام آخر في الاقتصاد الإسلامي وهو مأخوذ من نص الحديث النبوي الذي يقول فيه الرسول صلى الله عليه وآله: “لا ضرر ولا ضرار” (سنن ابن ماجه، 2341) وهو نص مثير إذا أخذنا بنظر الاعتبار وصف الكثيرين للإسلام بأنه دين انتقامي، وهو في الحقيقة يدعو إلى العدل في كل شيء، لكن هذا موضوع نترك نقاشه لمقالة أخرى.

إن أحد أهم المقاصد الإسلامية هو إعادة توزيع الثروة للفقراء والمساكين. فالفقر موجود في كل مجتمع، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد. والإسلام يضع العبء على الدولة لإزالة هذه المشكلة بطريقة لا تتعارض مع القواعد الرئيسية ولا تسبب الضرر للآخرين في الوقت نفسه. فالزكاة، حسب التعاليم الإسلامية، هي أحد أفضل الطرق لإعادة توزيع الثروة في المجتمع. وفلسفة الزكاة هي إن المسلم حينما يحتجز مبلغاً معيناً من المال، وهو مقدار النصاب، 100 غرام من الذهب فأكثر، ويحول عليه حول قمري كامل فان هذا المسلم عليه أن يخرج ما مقداره 2.5% من المبلغ الكامل ويعطيه للأصناف الثمانية المذكورة في القرآن في قوله تعالى: “إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ” (سورة التوبة، الآية 60). وقد علل بعض الفقهاء إخراج ذلك المقدار من المال المخزون في إن مبلغ النصاب (قيمة 100 غرام من الذهب أو اكثر) تستبعد من عمليات التداول المالي في السوق، الأمر الذي قد يؤثر سلباً بشكل مباشر أو غير مباشر على التجار وسيعود بالضرر على الفقراء والمساكين. ولما كانت هذه حالتهم فالشريعة قد ضمنت لهم تعويضاً عن خسائرهم في السوق يعطى لهم تحت مسمى الزكاة في كل عام قمري. وإخراج هذا المقدار من الزكاة هو أمر واجب يؤخذ من من الأغنياء ليعطى للفقراء والمساكين هو مثال واضح لعملية توزيع الثروة.

ثمة طريقة أخرى لتوزيع الثروة، ألا وهو الوقف الإسلامي. والوقف هو أن يتنازل مالك عقار معين عن ملكيته ويتبرع به بوضعه تحت تصرف فئة يعينها هو، ولعل الفقراء والمساكين هما الفئتان المستهدفتان بشكل عام في معظم الحالات. أما ريع هذه العقارات فيمكن أن يستثمر لتكثير أصول الأوقاف أو لتوسيع طبقة الفقراء والمساكين التي يستهدفها الوقف.

السوق الحر المفتوح يعتبر أيضاً أحد الوسائل المهمة لتقليل الفوارق في المدخولات بين التجار الأغنياء والفقراء والمساكين. ففي الإسلام تحرم كل أشكال الاحتكار لأن فلسفة الإسلام العامة للاقتصاد هو دوران رؤوس الأموال بشكل متساوي. والتساوي ههنا يعني تساوي الفرص، لا المخرجات المترتبة على تلك الفرص. ففي هذا المجال للفقراء والمساكين الحرية التامة في اغتنام الفرص في الاتجار في السوق وفي إنشاء الصفقات التجارية ليحصلوا على مدخولاتهم الخاصة، الأمر الذي يعطيهم في نهاية المطاف حصتهم المتواضعة في السوق. وهذه طريقة سهلة لتحقيق الرفاهية الاقتصادية وتقليل الفوارق بين طبقات المجتمع الواحد. ومع كل ما سبق، لا غرو إن الإسلام رفض أن يبقى الفقراء والمساكين كسالى في منازلهم يتلقون حصصهم من الزكاة أو أن يسألوا الصدقات من الناس، بل على العكس، فالإسلام يحثهم على البحث عن مصادر محترمة لكسب قوتهم وقوت من يعولون.

فالإسلام يحث الناس على العمل لكسب معيشتهم. قال رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله: “وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلاً، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ” (صحيح البخاري، 1470)، علماً أن الاحتطاب يعتبر عملاً متواضعاً آنذاك، لكن الرسول صلى الله عليه وآله قال بأنه أفضل من استجداء الناس للصدقات.

ثمة نقطة أخرى في نظرة الإسلام الاقتصادية، ألا وهي حق الملكية الحرة للأرض. ففي كل منظومة اقتصادية حينما ترغب في تأسيس مشروع معين عليك أن تضع في عين الاعتبار مساحة الأرض التي ستنشيء المشروع عليها والمبالغ المطلوبة لشرائها سواء كانت ملكاً للدولة أو لفرد أو جهة معينة. وهذا يعني وجود مصروفات إضافية بكل تأكيد. أما في الإسلام فان الوضع مختلف، كما قال أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وآله: “أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ الأَرْضَ أَرْضُ اللَّهِ وَالْعِبَادَ عِبَادُ اللَّهِ وَمَنْ أَحْيَا مَوَاتًا فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ جَاءَنَا بِهَذَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِينَ جَاءُوا بِالصَّلَوَاتِ عَنْهُ” (سنن أبي داود، 3076). فإحياء الموات الوارد في الحديث يعني أي شيء يدخل في نطاق تحويل الأرض البور إلى أرض منتجة، سواء كان ذلك زراعة أو صناعة أو حتى سكنى. أما إذا أخفق الشخص في إحياء أرضه التي تملكها بالمجان فلأي شخص آخر الحق في تملكها منه وإحيائها، وهذا من شأنه أن يخلق تنافساً شريفاً بين الأفراد لاستغلال كل فرصة سانحة بشكل لا يتعارض مع ثوابت الشريعة الإسلامية.

ثمة نقطة أخرى غاية في الأهمية في المنظور الاقتصادي الإسلامي، ألا وهي غياب الضرائب. فالاقتصاد الإسلامي قد يكون الاقتصاد الوحيد الخالي من الضرائب. فالضريبة محرمة وتعتبر من أعظم الذنوب، إذ إنها عبء كبير على من يعملون في التجارة والتعاملات الاقتصادية الأخرى. وهذا المنظور متعلق إلى حد كبير بشكل الدولة، إذ إن الدولة في الإسلام لا تعدو كونها إدارة احترافية مستأجرة لإدارة موارد البلاد وضمان توزيعها بأفضل الطرق وعلى قدم المساواة بين الناس الذين يعيشون في تلك البلاد، ناهيك عن حماية الحقوق الأصلية التي منحها الله لكل من يعيش فوق تلك الأرض. وهذه الإدارة لا تمتلك أي حق في طلب أجزاء مخصوصة من ثروات الناس بشكل قسري، كما هو الحال في جباية الضرائب في كافة دول العالم اليوم. لذا فإن الإسلام يحرم الضرائب تحريماً قاطعاً. والضرائب لها تأثيرها على مستوى الأسعار، إذ إن التاجر عليه أن يعوض هذه الضرائب برفع نسب الأسعار، الذي يؤثر بدوره على القدرة الشرائية للمستهلك. فغياب الضرائب يعتبر حافزاً آخر ضمن المنظومة الإسلامية لكي يعمل الناس ويكسبوا الأموال لتحقيق الرفاهية. هذه النقاط ما هي إلا ومضات عن المنظومة الاقتصادية الإسلامية التي أتمى أن تتفهمهاعقول الناس في العالم كي يتبنوها.

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

الأخبار

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.