هل يجوز للمسلم قتل مدنيي العدو؟

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلوات وأتم التسليم على سيد الأولين والآخرين محمد الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى من تبعهم إلى يوم الدين رضوان الله عليهم أجمعين.

في أحد المقاطع الفيديوية لأنور العولقي، سأله المقدم السؤال التالي:

“تؤيد مثل هذه العمليات؟ مع إن المستهدفين فيها كما يقال في الإعلام مدنيين لا ذنب لهم، إلى آخر ما يقال؟”

 فأجاب العولقي قائلاً: “بالنسبة لقضية المدنيين، هذا المصطلح كثر استخدامه الآن، ولكن نحن نفضل استخدام المصطلحات التي تداولها فقهاؤنا، فهم يقولون (مقاتلين وغير مقاتلين). بالنسبة للمقاتل فهو من حمل السلاح ولو كانت امرأة، وغير المقاتل هو الذي لا مشاركة له في الحرب. بالنسبة للشعب الأمريكي في جملته هو مشارك لأنه هو الذي انتخب هذه الإدارة وأيضاً هو الذي يمول هذه الحرب، وفي هذه الانتخابات الأخيرة والتي سبقتها كانت هناك خيارات أخرى عند الشعب الأمريكي، أن ينتخبوا أشخاص لا يريدون الحرب، ومع ذلك لم يحصلوا إلا على الفتات من الأصوات. ثم نحن قبل أن نتحدث عن أي شيء لابد أن ننظر للمسألة من منظار شرعي، وهذا الذي يحسم المسألة، هل يجوز أو لا يجوز. لو كان باستطاعة الأخ المجاهد البطل عمر الفاروق أن يستهدف عدة مئات من العسكريين فهذا أمر رائع، لكن نحن نتحدث عن واقع معركة. الرسول صلى الله عليه وسلم لو استطاع أن يقاتل في النهار فقط لفعل، لكن كان هناك أحياناً حالات يرسل فيها السرايا في الليل، وهذه السرايا التي يرسلها صلى الله عليه وسلم في الليل، بسبب الظلمة كانت تقتل من النساء والأطفال، فعاد الصحابة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم واستفسروا عن هذه المسألة فقال لهم صلى الله عليه وسلم: (هم منهم) أي أن حكم هؤلاء هو حكم الآباء فالرسول صلى الله عليه وسلم أجاز هذا العمل” انتهى.

هذا جزء مما تحدث به العولقي في المقابلة، لكن هذه المسألة، أعني استهداف المدنيين وقتلهم، هي إحدى أخطر المسائل، وينبغي أن أتحدث عنها بشيء من التفصيل. باديء ذي بدء علينا التأكد من الحديث النبوي الذي أسس العولقي فهمه عليه. الحديث ورد في صحيحي البخاري ومسلم، وهذا هو نص الحديث: “عَنْ اَلصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ‏- رضى الله عنه ‏- قَالَ: { سُئِلَ رَسُولُ اَللَّهِ ‏- صلى الله عليه وسلم ‏-عَنْ اَلدَّارِ مِنْ اَلْمُشْرِكِينَ‏ يُبَيِّتُونَ، فَيُصِيبُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَقَالَ: “هُمْ مِنْهُمْ” } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يقول الإمام ابن حجر العسقلاني في كتابه (فتح الباري في شرح صحيح البخاري) معلقاً على هذا الحديث: ” قوله : ( هم منهم ) أي في الحكم تلك الحالة ، وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم، بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز قتلهم”. وهذا الأمر لافت للنظر بطبيعة الحال، لأن هذا هو بعينه هو جوهر الجدلية التي تستند إليها الدول الغربية حينما يستهدفون من يقولون إنهم مقاتلون وإرهابيون وينتهي الأمر بقتل أفراد عوائلهم معهم أو قتل مدنيين أبرياء يعيشون معهم أو بين أظهرهم، وهو ما تسميه هذه الدول “الأضرار الجانبية”.

ويستمر ابن حجر في شرحه إذ يقول: “وكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال: وأخبرني ابن كعب بن مالك عن عمه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث إلى ابن أبي الحقيق نهى عن قتل النساء والصبيان” ثم يكمل ابن حجر قائلاً: “وكأن الزهري أشار بذلك إلى نسخ حديث الصعب، وقال مالك والأوزاعي: لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم. قال سفيان قال الزهري: ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان، ويؤيد كون النهي في غزوة حنين ما سيأتي في حديث رياح بن الربيع الآتي “فقال لأحدهم: الحق خالدا فقل له لا تقتل ذرية ولا عسيفاً، والعسيف بمهملتين وفاء الأجير وزناً ومعنى.” وأضاف ابن حجر رحمه الله: “واتفق الجميع، كما نقل ابن بطال وغيره، على منع القصد إلى قتل النساء والولدان” (فتح الباري، الجزء 6، ص 169).

ويبدو أن الزهري رحمه الله كان قلقاً جدا بشأن هذا الحديث، فقد كان يرويه مع حديث آخر ينهى عن قتل النساء والولدان للحيلولة دون إساءة فهمه. وكان الجواز متعلقاً فقط بعدم القصد إليهم، كما يعبر عنه اليوم بمصطلح “الأضرار الجانبية”. ولعل من المفارقات أن يكون هذا الكتاب، أعني فتح الباري في شرح صحيح البخاري، موضوعاً في المكتبة التي خلف العولقي أثناء المقابلة، فلو أنه قرأ هذا الكتاب ودرسه جيداً لما نطق بهذه الكلمات الخطيرة.

والحديث ورد أيضاً في صحيح مسلم كما أسلفت، وقد شرحه أحد العلماء المبرزين وهو الإمام النووي، الذي بوب لهذا الحديث في شرحه بعنوان: “باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد”. يقول النووي في هذا الباب: ( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: هم منهم) وتقديره: سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: هم من آبائهم، أي لا بأس بذلك، لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك، والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة. وأما الحديث السابق في النهي عن قتل النساء والصبيان، فالمراد به إذا تميزوا. (شرح النووي على صحيح مسلم، الجزء 12، ص 49).

دعونا الآن نحلل ما فعله العولقي. إما إنه أخطأ في فهم الحديث، أو إنه لوى عنقه عمداً، الأمر الذي كان الزهري، راوي الحديث، قلقاً جدا منه. وأراد العولقي أن يوظف القياس المنطقي ليستنتج بأن كل الشعب الأمريكي هم مقاتلون ويجوز قتلهم. القياس يحدث عندما يكون لديك حكم أصلي يخص أمراً أو فكرة ما، ثم تأتي بأمر مشابه وتحاول إعطاءها نفس الحكم. في علم أصول الفقه، وهو العلم المتخصص باستخراج الأحكام التي تخص الأمور المستحدثة، وهناك شروط يجب أن تتوفر ليتم القياس. وأحد أهم هذه الشروط هو التشابه بين الأمر الأصلي والأمر الفرعي. والآن دعونا نفسر هذا القياس، الفرضية الأولى هي: استهداف المقاتلين حيث يقتل النساء والأطفال من دون قصد لأنهم مختلطون معهم في المعركة هو أمر جائز، رغم كونه سيئاً. الفرضية الثانية هي: استهداف المدنيين حيث يقتل النساء والأطفال عمداً. هذه الفرضيتان مختلفتان. وخطأ العولقي هي استنتاجه بأن من الجائز استهداف المدنيين عمداً بناءً على الفرضية الأولى المأخوذة من الحديث، وهي جواز استهداف المقاتلين وقتل المدنيين من دون قصد لأنهم مختلطون بالمقاتلين. هذا القياس قياس باطل.

هذا هو مثال واحد فقط يبين كيف إن المنهجية الخاطئة تنتج الكوارث، الأمر الذي يضع الإسلام والمسلمين والأبرياء من غير المسلمين في خطر محدق. ونحن، كملسمين، ينبغي علينا أن نتفكر ونتدبر آيات القرآن، مثل قوله تعالى: “وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا” (الإسراء، 36). والمسؤولية الشخصية موجودة في عاتق كل فرد والله سبحانه وتعالى سيحاسبنا وفقاً لها. قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِي لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ مِنْهُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ فَلَا يَأْخُذَنَّهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّار” (متفق عليه).

والحمد لله رب العالمين

الشيخ علي

غير مصنف

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.